وفي هذا السياق يمكن سَلك قصة لِحية الشيخ جمال الدين الساوي الذي راودته امرأة عن نفسه فحلق لحيته وحاجبيه، فاستقبحت هيئته وعصمه الله بذلك. ومن كرامته أن القاضي ابن العميد اتهمه بالابتداع في حلق لحيته فـ"زعق الشيخ ثم رفع رأسه فإذا هو ذو لحية سوداء عظيمة، فعجب القاضي ومن معه ونزل إليه عن بغلته، ثم زعق ثانية فإذا هو ذو لحية بيضاء، ثم زعق ثالثة ورفع رأسه فإذا هو بلا لحية كهيئته الأولى، فقبّل القاضي يده وتَلمذ له وبنى له زاوية حسنة، وصحبه أيام حياته. ثم مات الشيخ فدفن بباب الزاوية حتى يكون كل داخل إلى زيارة الشيخ يطأ قبره"جَرّاء جهله ومروره بدابته بين القبور. ويكاد ابن بطوطة - لجهله بسلطة الأولياء أو على الأقل ركوبه بين الفينة والأخرى غواية التخفف منها استجابة لداعي هواه في التنقل والتجوال - أن يقع في المحذور. فقد أنبأه الشريف أبو محمد عبد الله الحسني، وهو من"كبار الصالحين"بمدينة (هُو) بساحل النيل، أنه سيحج أول حجة له على الدرب الشامي، لكن ابن بطوطة أمضى عزمه على المخالفة:"فانصرفت عنه ولم أعمل على كلامه ومضيت في طريقي حتى وصلت إلى عيذاب، فلم يتمكن لي السفر، فعدت راجعا إلى مصر ثم إلى الشام، وكان طريقي في أول حجاتي على الدرب الشامي حسبما أخبرني الشريف نفع الله به."هكذا تأتي الكرامة لتغمس خطاب ابن بطوطة وسفره في بوثقة المقدس. صحيح أن عقاب ابن بطوطة لم يكن قاسيا، لكنه درس قاسٍ لكل متلقٍّ تسول له نفسه التشكيك في أسفار ابن بطوطة التي ترعاها الكرامة وتتكفل بتحققاتها في الزمان والمكان. وفي هذا السياق يمكن إدراج مكاشفة أبي عبد الله المرشدي لابن بطوطة برؤياه حين نام بسطح زاوية هذا