فهرس الكتاب

الصفحة 17646 من 29568

جنسا وجد منه فوق ما يظن، فيظن أن غالب أهل البلد كذلك. وبالجملة، فأهلها لهم عقول راجحة وذكاء زائد. فمن استعملها في الخير، فاق فيه غيره، ومن استعملها في غيره فكذلك. ذكر ابن خلدون في كتابه"كتاب منتهى العبر"أن بعض ملوك المغرب سأل بعض العلماء ممن حج عن مصر. فقال له: أقول لك فيها قولا وأختصر: من المعلوم أن دائرة الخيال أوسع من دائرة الحسّ: فغالب ما يتخيله الإنسان قبل رؤيته إذا رآه وجده دون ما يتخيل، ومصر بخلاف ذلك، كل ما تخيلتَ فيها، فإذا دخلتها وجدتها أكثر من ذلك. وسئل آخر عنها فقال: كأن الناس فيها قد حشروا إلى المحشر، لا ترى أحدا يسأل عن أحد، كل واحد ساعٍ فيما يرى فيه خلاص نفسه. وقد أخبرني شيخنا سيدي أبو مهدي عيسى الثعالبي أيام كنت أتردد معه إلى مجلس شيخنا شهاب الدين الخفاجي، فقال لي: من لدن دخلت هذه المدينة ما رأيت أحدا يمشي في أزقتها وأسواقها على مهل وسكينة وتؤدة، بل كل من تلقاه تراه مشمِّرا جادا في سيره إن كان راكبا فراكبا وإن كان ماشيا فكذلك. فتأملت ما ذكر لي فوجدته صادقا. وسبب ذلك والله أعلم أمران: أحدهما الرغبة والحرص المستكن في القلب، فيحمل الإنسان أن لا يفوته شيء من أغراضه وهو يظن أنه لو توانى في مشيه لفاتَه غرض مع كثرة الأغراض وتزاحم الأشغال، والآخر كثرة الزحام في الأسواق، فكل سوق دخلته تقول هذا أكثرها زحاما، فإذا خرجت منه لآخر وجدته مثله أو أشد. وقد شاهدنا الناس في بعض الأسواق تارة يقفون هنيهة لا يقدر أحد أن يتحرك يمينا ولا شمالا من غير أن يكون هناك حاصر لهم من أمام إلا الزحام. وربما رفع بعضهم صوته بالتكبير، فيكبرون حتى يظهر لهم بعض تحرك فيندفعون مثل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت