لتوسيع دائرة التخييل المتصلة بهذا النهر العظيم بكبره، المجيد بمنبعه، الغريب بمجراه، العجيب بزمن زيادته، تم المتح من المدونة الحديثية والنص القرآني. ولا شك أن الاسترفاد من الكتاب والسنة فيه توسيع لدائرة المعنى وتفتيق لأنوية القداسة، ودعم للشهادة بالإشهاد أو التصوير بالإخبار.
4 ــ تنسيب الصورة باعتباره إستراتيجية لتوسيع دائرة الخيال
لقد تبنى ابن بطوطة إستراتيجية أخرى لتوسيع دائرة الخيال تغطيةً لمتناقضاتِ دائرةِ الحس التي قد تحمل الرحالين على نقل صورة مبتسرة متسرعة عن عالم فيه - بخيره وشَرِّه - من التنوع والخصوبة ما يندُّ عن الحصر. وتتجلى هذه الإستراتيجية في نهج أسلوب التنسيب كما هو مبين من خلال المثال الآتي:"وبالجملة فمصر أمُّ البلاد شرقا وغربا لا تستغرب شيئا مما يحكى عنها من خير أو شر، ومصداق ذلك ما حدثني به بعض أصحابنا من التجار في سنة أربع وستين، قال: دخلنا مصر في حدود الخمسين سكنْتُ في بعض الوكائل، وكان من قدر الله أن اجتمعنا في محل واحد جماعة، منا فلان وفلان تجار وفلان طالب علم وفلان ممن يميل لطريق الفقر، وفلان من أهل المجون، وذكر كلاّ بأسمائهم قال: فإذا أصبحنا تفرقنا كل يغدو لحاجته، فإذا جن الليل جمعَنا المنزل، فنتحدث بما رأينا، فيقول التاجر ما رأينا مثل هذا البلد في التجارة، فأهلها كلهم تجار، ويحكي من حكاية ما شاهد، ويقول الفقيه مثل ذلك، والفقير مثل ذلك، وذو المجون مثل ذلك. وما ذاك إلا لكثرة أجناس الناس فيها، فمن طلب"