تمهيد
شكلت الرحلة بالنسبة لمسلمي الغرب الإسلامي، منذ فجر الدعوة الإسلامية وإشراق شمسها على ربوع هذا الجانب من العالم العربي الإسلامي، هاجسا دائم الحضور ومطلبا قوي الإلحاح، ورغبة دفينة في النفوس سرعان ما تعبر عن ذاتها وتتفتق مستندة إلى الواجب الديني ممثلا في الركن الخامس من أركان الدين الإسلامي الحنيف، ومتكئة على تقاليد راسخة في شد الرحال نحو الآفاق بحثا عما تجود به من زاد ديني أو دنيوي.
كما أن العامل الجغرافي الذي جعل الغرب الإسلامي في أقصى نقطة من خارطة العالم العربي الإسلامي، حتى سمي في بعض الحوارات الطريفة بذيل الطاووس (1) ، كان دافعا قويا لأهله للتواصل مع عواصم الثقافة العربية في المشرق، وفي مقدمتها المدينة المنورة التي شكلت مكانا أثيرا للمجاورة والتزام حلقات العلماء ومجالس الفقهاء و نوادي الأدباء.
بل إن الرحلة بأنواعها الدينية والعلمية والسياحية والاضطرارية، مثلث طريقا للمجد وشكلت سبيلا للشهرة والتألق في مجتمع ظلت أنظاره وقلوبه وأفئدته مرتبطة بالمشرق كرمز للصفاء والطهارة والنقاء، وكعلامة للجذور والأصول، وكمنبع للشريعة والحقيقة.