ألصق بتذوُّق الشعر والانفعال به والتفاعل معه، بل إن التذوّق لا يمكن أن يصدر إلا عمن له ملكة بلاغية بيانية كما سبق الذكر.
ولعل ابن رشيد من الذين كانت لهم هذه الملكة أيضًا، لذلك أبان في كثير من أحكامه النقدية وتصويباته وتعقيباته عن مستوى رفيع في علم البلاغة، لذا لا نستغرب تأثّره بما آلت إليه العلوم البلاغية بالأسكندرية في عهده قائلًا: «وهذا الشأن بالأسكندرية ضعيف، ولم يبق بها بعد فقْد ناصر الدين بن المنير - رحمه الله - من يعتبر» ( [60] ) .
وهكذا كان الرحالة يُعمل فكره في المسائل البلاغية التي تتضمنها النصوص الشعرية فيتناولها بإسهاب تارة وإيجاز أخرى - تنظيرًا وتطبيقًا - كما يبدو من خلال مذاكرته لابن القوبع التونسي في مسألة بيانية متعلقة بالقوافي إذ انبرى ابن رشيد لتوضيحها قائلًا: «قيل إن التجنيس الكامل ليس مما يحسن، إذ لو كان يحسن ويُوثر لكان في شعر العرب في الحشو وخصوصًا في القوافي التي هي كما قيل حوافز الشعر، وكانوا يقصدون إجادتها ويوثرون ما يحسن أن يوثر عنهم وليس يوجد منه في كلام فحول الشعراء من العرب، بل ولا من أتباعهم إلا النُّدرة وذلك شاهد على أنهم لا يوثرونه، وأنه عندهم مفضول في الجواب» ( [61] ) .
ويزاوج ابن رشيد بين النظر والتطبيق في تعقيباته على نص معين فلا يقيم حاجزًا يفصل بينهما، كما يتبين من تعليقه على أبيات حازم التي