تعدد المحكيات وتنوع المستويات اللغوية قاد نحو تعدد الخطابات المتخللة التي تعضد الخطاب السردي والوصفي وأهمها؛ القصاصة الخبرية، والتقرير الصحافي والاعتراف أو الشهادة الشخصية ثم الرسالة، وتعدد الخطابات يؤكد ما ذهبت إليه مارت روبيرت من أن الرواية جنس أدبي قادر على احتواء كل أشكال القول والخطاب. هذا الرأي يضمر إشكالية كبيرة في كتابة الرواية المعاصرة وتتمثل في كيفية توظيف كل تلك الخطابات وترتيبها في سياقات تضمن الانسجام [لا يعني بالضرورة التسلسل المنطقي المتواتر] والترابط للعمل الروائي في كليته، وتحافظ للخطاب السردي والوصفي على خصوصيته الفنية والجمالية، أي أن تعدد الخطابات مهارة لا يقدرها إلا الكاتب المتمرس وصاحب الرؤية الواضحة.
هذا الذي تثبته رواية مبارك ربيع «أيام جبلية» فرغم البناء المركب والحجم الذي قارب (350) صفحة من القطع الكبير وتداخل الخطابات وتعدد الشخصيات والمحكيات حافظت الحكاية المركزية على انسجامها وقد ساعد على ذلك المكان الواحد [رأس الجبل] والموضوع الواحد [تقصي أخبار اختفاء القطار 1101 وتأخر وصوله إلى المحطة المهملة المنسية والتعرف على سكان رأس الجبل] ثم قدرة الكاتب على تقديم الحل النهائي في دُفُعَاتِ تفصح عن جزء بعد آخر مما جعل المحكي يقوم على التأجيل والإرجاء إلى لحظة تجميع الخيوط [السياقات السردية] كلها في صورة إجابات عن كل الإشكالات العالقة؛ بحث وتحقيق محمود، تجربة حبيبة [دليلة] ، تجربة سهام، تجربة فؤاد، تجربة عيوشة، مصير الوادي، مصير جبريلو، وطلب رضوان العشري الإعارة إلى الخارج والانتقال خارج رأس الجبل ...