فهرس الكتاب

الصفحة 19026 من 29568

تصوير وقدرة على تتبع التفاصيل الصغيرة، توحي كأن المبدع قد تحول إلى فنان تشكيلي ينجز لوحة فنية عن المشهد الذي تختزنه الذاكرة بصورة حية وكأنه ماثل أمام الأعين. فهو يتتبع صورة الخيل والفرسان ومساعديهم والجمهور والطبيعة، وحركيتها دون أن يفلت أيا من مؤثثاتها خيلا وبشرا وأدوات ولباسا وزينة وسلاحا وأصواتا وزغاريد، حيث تتداخل العناصر الثلاثة الأساسية (الخيل، الفرسان، الجمهور) في اللوحة الموصوفة بشكل ملتحم ومتناغم، لتكتمل عند انقداف الطلقات الرصاصية في لحظة محددة دون تقديم أو تأخير وكأنها طلقة واحدة، أو كما جاء في مجموعة «صار ... غدا» (وإطلاقها بارودة واحدة بعدة أصوات، أو صوت واحد بعدة بارودات) (2) . من غير أن يتم نسيان الإعلاء من شأن القيم الاعتبارية المتبناة داخل هذا المجتمع.

وبعد ربع قرن، يعود مبارك ربيع إلى نفس الموضوع، عبر القصة الأولى التي تحمل عنوانا تقريريا مباشرا هو (البارودة) ، بمجموعته الأخيرة هذه (صار ... غدا) . وإن كان قد حاول أن يطعمها بقصة جانبية تتعلق بدخول العنصر النسوي ممثلا في شخصية عويشة، على خط الفروسية الرجالية بين أغلبية مستنكرة وأقلية مرحبة، مما يؤشر إلى ما قد بدأ يحصل من تطور في بنيان هذه الثقافة.

وبهذا وغيره مما لا يسمح الوقت بالالتفات إليه، يكون مبارك ربيع من الكتاب المغاربة القلائل الذن تمثلوا ثقافة واقع مجتمعهم الشعبي، وأدركو مبكرا قيمة أن يكتب الكاتب عن بيئته المحلية، وبلغة جميلة منسابة لا حذلقة فيها، لكنها تندرج ضمن بلاغة السهل الممتنع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت