وإذا كان الشاعر عادة يتجاوز المرئيات مبتكرا معنى أو صفا، أو مهذبا أحد المعاني المألوفة أو متنبئا بظاهرة معينة أوصله إلى إدراكها خياله الشاعر، لو حدسه الفاحص لسر تفاعلات الفترة التي عاشها فيستطيع بذلك أن يعكس اهتمامات أمته فيصور لها ما تطلعت إلى تجسيده وعجزت عن التعبير عنه، فإن جميع تلك الأبحاث الشعرية ما استطاعت أن تخرج أي شاعر ما، عن نظام، وإحساس، وذوق البيئة التي ولد ونشأ فيها، فعدم انتشار التعليم، وعدم إمكانيات الاتصال منذ دخول الاستعمار حتى مع بقية الوطن الأم، وانعدام أي نوع من الصحافة والحدود المصطنعة التي حاول بها الاستعمار إيجاد ما أمكن من الفوارق لفرض الحواجز بين أجزاء المملكة كل تلك العوائق أثرت في شعر الصحراء فجعلته يبقى إلى عهد قريب عاطفيا يتناول مواضيع ذاتية كالغزل، المدح، الرثاء، المحاورة، ذكر الديار، وصف الناقة، أي نفس الأسلوب الذي درج عليه امرئ القيس وأصحابه، وكان رائد تلك المدرسة الأول بالصحراء هو امحمد بن الطلبة الذي عاش بإقليم وادي الذهب، وكان دائما ينسج على منوال قصائد عظماء شعراء العرب القدامى مثل معارضته لجيمية: الشماخ بن ضرار بقوله:
تطاول ليل النازح المتهيج
أما لضياء الصبح من متبلج
ولا لظلام الليل من متزحزح
وليس لنجم من ذهاب ولا مجي
فيا من لليل لايزال كأنما
تشد هواديه إلى هضبتي اج
كأن به الجوزاء والنجم ربرب
فرقدها في عنة لم تفرح