وأديبنا الأمير محمد العالم ـ وهو الذي نسوق إليه هذا الحديث ـ كان متبحرا في علوم اللغة، ماهرا في فنون شتى، ولذا يلقب بالعالم.
أما الأديب فبحر لا تكدره الدلاء، ينفعل للشعر، وتهزه أريحية الأدب.
ولاه والده السلطان المولى اسماعيل ـ خليقة عنه ـ على سوس، وكانت (تارودانت) مقر عمله، وعاصمة خلافته، وكان محبا للعلم، مؤثرا لأهل الأدب تأتيه وفود العلماء، وأفواج الأدباء، من كل جهة ومكان، فيكرمهم، ويغدق عليهم العطايا، وكانت له مجالس علمية، عاطرة الشذى، ـ ولاسيما في مواسم رمضان ـ يحضرها علية العلماء، ونبهاء الفقهاء، وكان يرأسها بنفسه، ويفتح باب المناقشة على مصراعيه، فإذا احتدم الخلاف وتصارعت الآراء، تدخل يلطف وحكمة، وكانت الكلمة الأخيرة له، فينفض المجلس عن نكت ولطائف، دونها خرط القتاد!
وكانت له ندوات أدبية يساجل فيها الأحياء، ويقارضهم الشعر، فخلق بذلك ـ في أقطار سوس ـ حركة علمية، ونهضة أدبية، لم تعهد هذه البلاد مثلها من قبل ولا من بعد، ويؤثر عنه أنه كان يقول: «انني ما فرحت بالقيادة على سوس، كما فرحت بوجود الأدب والشعر فيها» .
وسنورد في هذه العجالة صورا من ندواته الأدبية وأنماطا من مساجلاته الشعرية، وما كانت تطفح به من روح شاعرة، ونقد هادف بناء ...
ـ كتب إليه أخوه المولى الشريف في صدر كتاب بعث به إليه، ما خاطب به سيف الدولة بن حمدان، أخاه ناصر الدولة:
رضيت لك العليا ـ وإن كنت اهلها
وقلق لهم بيني وبين اخي فرق
أما كنت ترضى ان أكون مصليا