فهرس الكتاب

الصفحة 19967 من 29568

في يوم مريح، لما سلسل عليه السكتاني ذلك كله بعبارة عربية فصيحة، ثم قال: من القائل:

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى

ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

قال الزدوتي ـ مبادرا قبل صاحبيه، لتعرف أيضا مكانته ـ: أن البيت لبشار بن برد الأعمى، وأحفظ مع البيت قطعة كبيرة، فإن شاء مولانا تلوته عليه مع قطع وقصائد لبشار، خصوصا في عشيقاته وهو الذي يعشق بأذنه قبل عينه، [1] ، فقال الخليفة: لله درك! فإنني كنت أحسب أنك تقول: انني حفظت القصيدة كلها، مع أنني ما رأيتها كلها في كتب الأدب التي طالعتها [2] ، وحيث قل ما قلت، فإن ذلك يدل على صدقك، ثم قال من الذي يقول:

وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها

أفاويق حتى ما يدر لها نعل

قال فسكتنا ـ لأننا لن نسمع بالبيت قبل ذلك الوقت، وجعل بعضنا ينظر إلى بعض، ثم قال السكتاني يا مولانا، لنا الفضل في أن يكون هذا أول ما نستفيده من حضرتك العلامة، فإننا لسنا بمكاثرين، ولا بمفاخرين، فما علمناه فبفضل سيدنا السابق إلينا قبل المثول بين يديه، وما جهلناه ـ وهو كثر من قل ـ فلنا الفخر العظيم في أن نكون فيه تلاميذ لسيدنا، فقال: لله دركم! فإنني عمدت إلى ما ليس للشعراء المشاهير، لأنظر هل تقولون لا ندري فيما لا تدرون، أم تهرفون بما لا تعرفون ومن تمام عقل الرجل في علمه، أن لا يتبجح بما لا يعلمه،

(1) يشير إلى قول بشار: (والأذن تعشق قبل العين أحيانا) .

(2) وقد طبع الشيخ الطاهر بن عاشور بتونس ديوان بشار، أو على الأصح ما وجد منه، وبه القصيدة كاملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت