فهرس الكتاب

الصفحة 24717 من 29568

لا أعرف لماذا تنتاب خيالي، صور تستنفر بوسواسها بعض المواجع، فيتهيأ لي أن كل من فتح فمه لقول مراثي عصماء، أشبه بمن يفتح قبرًا لنبش رميم أحد الموتى؛ لذلك أوثر النظر من شاشة الذاكرة، لكل عزيز ودًّع هذا العالم، في أبهى صورة اكتساها في الحياة؛ أجل، لا أستطيع أن أزيَّف خيالي، وسأبقى أنظر إلى أديبنا وشاعرنا المغربي الكبير «محمد الصباغ» ، إلا كما عهدته في كامل عنفوانه الباسم بالألق من عينين حالمتين دائمًا، وكأنه على شفا قصيدة؛ لا أستطيع خيانة خيالي بترجمة أخرى لشاعرية هذا الرجل، وهو يهمس في أذني، كلما التقيته في لحظات مسروقة من الزمن، لكنها راسخة في الخاطر؛ يهمس بما يشبه النواعير التي تنطق مياهها من الأعماق، وكأنه يمارس ذات تطريز الكتابة في الأنفس، لذا لا يمكن تخيل محمد الصباغ ميتًا، بل إن لمسة الغياب أو فركة فراشتها الضوئية، جعلته أصقل من إبريز، لتفنذ العبارة التي استهل بحكمتها أعماله الأدبية الكاملة الصادرة عام 2001 عن وزارة الثقافة، حيث قال: «سأغيب عن الحياة، دون أن أقول كلمتي، ذلك أشد ما يؤلمني في حياتي» ؛ هنا، فليسمح لي سي محمد الصباغ الذي قهر بطفولته الستين كل الأعمار، بامتداديتها الخالدة في التاريخ، أن أستعير في خضم مروج الذهب، أصبعًا من كتابه «نقطة نظام» ، لأجزم بالمديح العالي، أنه انتصر على كل غياب، ليس فقط بتملُّكه لعبقرية اللغة وناصيتها التي اتخذها سكنا، بل لأنه جعل من هذه اللغة تعبيرا فصيحا عن الإنساني، ولفرط انبثاقها من منابع نفس تتحلَّى بشاعرية قصوى، اتسمت بالرأفة التي تسعى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت