الصباغ نجح في أن يمزج بتميز وحذق فني، بين ملامح الطبيعية الرومانسية من جهة، والنفس المهجري في مسحة تفاؤلية من جهة ثانية، إضافة إلى الأسلوبية الشابية، مفرغًا على ذلك كله منحى واقعيًا، تسنده الصورة والموقف والتوجه الفكري.
من هنا يعتبر محمد الصباغ مدرسة أدبية خاصة متميزة، وهو ليس بالأمر السهل ولا المتيسر لأي كان؛ والمقصود بالمدرسة هنا، ليس تصورًا كلاسيكيًا يعني بالضرورة تفرعًا عدديًا وانتشاريًا، لأصل حصري أدبي بالمعنى الحرفي، بل يمكن القول على الأصح، إن هذه المدرسة بقدر ما تسجل أهمية مرحلة التأسيس والاستمرارية والتطور على نسقها الخاص، فإنها في الآن نفسه، تبدو غير قابلة بالضرورة لتخلف وتنجب أتباعًا ومريدين إذا صح التعبير، لا لكونها غير قابلة للتأثير إلى ذلك الحد العددي التفرعي، بل لخصوصية التطور في المسار الأدبي الإبداعي للمرحلة، والذي لم يعد قابلا لمثل ذلك، ومن ثم فهي مدرسة في ذاتها، بوظيفتها، واكتمال أدواتها، سواء في تركيب الفوق واقعي بالواقعي، أو مزيج الشعري النثري في الآن نفسه.
إن قارئ محمد الصباغ من «فوارة الظمأ» ، و» اللهاث الجريح «و» شلال الأسود «وغيرها، ليجد ضالته في تجلي الملامح المذكورة بدون عناء؛ كما أنه من جهة أخرى، يلمس سمة التحول والتبادل ما بين القاعدة والقمة في الهرم الإبداعي السابق، في نماذج من قبيل «نقطة نظام» و» كالرسم بالوهم» و» أطالب بدم الكلمة «وغيرها، مما يحيل الواقعي هنا، عكس السابق، إلى شبه القاعدة في شكل الهرمية الإبداعية.