كان علي ألا أكتب. كان علي أن أضعك في البعد العميق من الذاكرة. كان علي أن أختبئ في مكان ما، في الغابة أو في القرب منها، نسرد الأخبار، ونقرأ الفتوحات المكية، ورجوع الشيخ إلى صباه ورواية كزانتزاكي ... ونتفرج على أجمل الأفلام القديمة، ننصت للأغنيات البعيدة ولما تبقى من شعر الثورة، سنسخر لا محالة مما وصلت إليه السياسة عندنا .. غدا سأقول لاخوتك إننا التقنيا، تُراهم يصدقون؟ لا أعرف. أعرف أنك تعرف أنهم سيصدقون، وأعرف مثلما نعرف، أن أصدقاءنا لن يصدقوني. سيقولون في مقاهي النميمة أنك تستعير استعارة من الغابة أو السماء، وأن الكتاب أو الشعراء يتبعهم الغاوون. ما أجمل العبارة حين لا تكون قابلة للتصديق، ما أجمل أن لا يصدقوني. فهم على الأقل منخرطون في جمع شتات الدنيا وطي ملفات المصالح في الأدراج وغزل الصوف بالنميمة وقتل الوقت بالخرافة.
لكن غدا، حين يرون سعيد ممتطيا فرس المدينة يصدقون شريطة أن نحرسه بعيوننا كل لا يقع له مثلما وقع للمعري وطه حسين. كأنك الوحيد في المدينة الذي يستحق امتطاء فرس المدينة.
لنتأمل بلاغة هذه الصورة، وليحرس كل واحد منا كتابتها في ألبومه الخاص. أم أقل لكم أن سعيد قرأ لي نشيد «» الموتى ««وشرب معي حتى الصباح، لكنه لم ينم عندي كعادته، ربما لأنه لا يستطيع النوم في فراش بيته. هكذا كان، هكذا هو، وفي الهو صندوق الذكريات. دعوني أصمت قليلا، دعوني أتفرج على المسرحية كي أتمتع بها، دعوا سعيد يعيش بيننا. ثقوا بي إن غيابه لن يطول كثيرا، إنه في المقهى أو المسرح.