فهرس الكتاب

الصفحة 25019 من 29568

« .... أمامي مجموعة من صور ساحة جامع الفنا، أخذت أتأملها وأجيد التفكير في ما تضمنته في داخلها من مشاهد قديمة، وكأنني في كل صورة أعيش فترة من فتراتها التاريخية السحقية.

نعم، فهناك صورة قديمة جدا جذبتني إليها معالمها بدون شعور، إنها صورة رجل من أحواز مراكش كما يبدو في زيه، منهوك القوى، يجلس إلى جوار طفل غض مأخوذا بحركات الحكواتي، مادّا ساقيه على الأرض. ترى - كما أتخيل - هل رقد الرجل في جلسته - من تعب السفر - رقدة النعاس؟ أو غفا غفوة السارح في أحلامه، أو المخمور، أو المتأمل في ما كان يسرد السارد من فصول ما يقدم من حكايات وقصص!! نعم لقد امتد بي الخيال طويلا فصرت أتصور ماذا يمكن أن يحدث داخل الحلقة بين هذا الرجل الغريب، وبين لحلايقي الحكواتي؟ لأن الرجل كان يأخذ حيزا كبيرا في جلسته، وهو على وضع لم يألفه صاحب الحلقة من رواده، وجمهوره العريض الذي يلتف حوله كل صباح ومساء، وكل يوم من أيام الأسبوع، ما عدا يوم الجمعة. لقد كانت الحلقة بساحة جامع الفنا أيام زمان فرصة «سانحة» للغرباء زائري المدينة، ففيها يأخذون استراحتهم من تعب السفر، وفيها أيضا يجدون العطف و المحبة من صاحبها، ما داموا ينفحونه بشيء من النقود، من حين لآخر. نعم، فهو وحده سيد الموقف، ومالك الزمام، يمضي في تعاليمه في جرأة وبسالة، ليخلو الجو العام من أوهام الحلقة وأشباحها0 إذن، فرجل الحلقة في كل دور من أدواره، تجده يهزم الأوهام والأشباح بقوة خياله الجانح، فيخلق لنفسه عالما آخر، وهو يسرد سيرة من السير، أو حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة، أو أسطورة من أساطير الجن. نعم، إنه بهذا الخيال يحيا الحياة التي يتصور معالمها بمدى قربه أو بعده عما يمكن تحقيقه، فيزيل العوائق من طريقه، ويشطح بهذا الخيال نحو المستحيل عند غيره. إذن، فهو في هذا الحال لا يتقيد أبدا - خياله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت