ما اكتشف عن كثير من شمائله من الوزن الفائق المنيع، وأجمع ما حوته قصيدة من مآثره وخصائصه ومعجزاته، وأفصح ما أشارت إليه منظومة من بدائع كمالاته، ما صاغه التبر الأحمر، ونظمه نظم الدر والجوهر الإمام شرف الدين البوصيري رحمه الله.
ويذكر الشيخ محمد الشاذلي النيفر في محاضرة ألقاها بتونس العاصمة سنة 1953: أن شعراء القرن السادس وما بعده التزموا طرق الأبواب المعهودة في الشعر من مدح وهجاء وفخر ورثاء، وتميز المدح عندهم بصفة الطمع واستجداء الممدوح، واستجلاب ما عنده من جزاء مادي، وخرج عن هذا التقليد الشعراء الذين امتدحوه صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم ابتدعوا نوعا جديدا وفتحوا فتحا مبتكرا في أغراض الشعر، وكان شعر الإمام البوصيري في موضوع المديح النبوي أقوى من غيره؛ لأنه امتاز بالعاطفة وهي عامل كبير من عوامل التأثير والامتياز، ثم إن هذه القوة ليست في البردة وحدها بل في الهمزية كذلك بل هي فيها أجلى من البردة، ويتحدث الشيخ الشاذلي النيفر عن أسلوب البوصيري في المديح النبوي، فيصفه بأنه أخاذ وجذاب مع حسن الانسجام وانتقاء الألفاظ وتسلسل المعاني وخفة الروح:"فهو يضع الألفاظ كالوشي الذي يزين الأرض مع كونه طبيعيا كذلك هنا؛ فإن الطبيعة منبثة في أسلوبه أيما انبثات". يقول الفاضل المرحوم عبد الصمد العشاب في كتابه البوصيري شاعر المديح النبوي (مطبوعات الجمعية المغربية للتضامن الإسلامي، 1999) :"نلاحظ أن موضوعات المديح النبوي في قصائد البوصيري لا تكاد تختلف، فمن تشوق إلى المقام النبوي إلى ذكر أخلاقه وشيمه، وطائفة من"