نعم في هذه المدينة التي طرّز ونسج إسمها الشّاعري السّاحر أبناء من أرومة البربر الأمازيغ الأحرار منذ بنائها أواخر القرن الخامس عشر والتي تعني"العيون". في زنقة"القايد أحمد"ولد الطفل"الصبّاغ"الذي سيحمل طفولته معه طول حياته التي لم تنسلخ عنه، ولم تفارقه قطّ في رحلة عمره الطويلة إلى أن أسلم الرّوح الزكيّة في رباط الفتح وعادت في سلام إلى باريها وخالقها.
أخي وصديقي الأثير محمّد الصبّاغ، هأنا ذا أتطلّع إليك من وراء الغيب، وأنت في دارالبقاء والنقاء والصّفاء، والبعد عن الشقاء، أبعث إليك بكلمات نسجت خيوطها السّنون بأحرف من نور سرمدي، وأترحّم على روحك الطاهرة، بعد أن خطفتك منّا يد المنون التي ما زالت تتخبط فينا وبيننا خبط عشواء بدون هوادة، تسلبنا أحبّاءنا وخلاّننا، وتتركنا حيارى في قبضة الزّمن الذي لا يرحم .. إنني ما زلت أذكر مكاننا المعهود بمقهي"باليما"بالرّباط، وحرقة في النفس، وغصّة في الحلق، وحزن عميق في القلب والدماغ لفقدانك أيّها الصّديق العزيز الذي قلّما يجود الزّمان بأمثالك، ما زلت أتذكّر إبتسامتك المعهودة، وتواضعك الجمّ، وكلماتك المنتقاة المتناغمة المتراصّة، كنت تبادل خلّانك وأصدقاءك وأحبّاءك الحديث، كأنك مخلوق بلّوري، لقد كنت رحمة الله عليك طيّب المعشر، هادئ البال، خفيض الصّوت، يكاد حديثك أن يكون همسا، وديع النفس، رقيق المشاعر، حلو الكلام صافي السّجايا، حميد الخصال، كريم المحتد، بلطفك الشديد، وببراءتك النقيّة، وبكلماتك الهادئة التي تخرج من فيك وبالكاد كانت تلامس آذان مخاطبيك، كنت تحاورنا، بكلامك المقلّ، وبإصغائك الطويل، نابها يقظا ذكيّا وقّادا .. أنت الذي أعطيت