يجزمون أنه لم يُغن بالتعريجة من قبل، وأن التعريجة هي اختراع من الجن.
وهذه أسطورة تكاد تكون متكررة في مسار الثقافة والأدب العربي، والمغربي بمختلف تلاوينهما اللغوية والدلالية منذ عصر الجاهلية، فالأغاني للأصبهاني مفعم بحكايات وادي عبقر الذي كان يعج بالجن مثلما يعج بهم صهريج بلحداد في عين إيطي بمراكش.
غير أن الأستاذ عبد الرحمان الملحوني، إنتبه بحس الناقد الباحث، إلى نباهة الجيلالي، وذكائه، في وضع هذه الأسطورة، لكونها السبيل الأمثل والأقرب إلى نفوس العامة، في تمكين"التعريجة"من الولوج لعالم الملحون، وتحصينها من البدعة.
ولكن بغض النظر عن هذه الأسطورة وعن أساطير غيرها، تتناقلها ألسنة العامة جيلا بعد جيل، فإن الناظر في ملحونه أو المستمع لقصائده، ليس له بد في أن يجزم أنه كان صاحب إبداع، وأنه نظم على نحو لم يكن معروفًا ولا مألوفًا بين الأشياخ المعاصرين له والسابقين عليه، وأنه تجاوز المتداول والشائع نحو الحديث والمتجدد، وأنه إبتكر أجمل الأوصاف والمعاني والتشبيهات، وأنه هو اول من عرف كيف يجدد ويصنع من الملحون فنا قائم الذات، يفاخر به المغرب كافة الأقطار العربية، سواء من حيث الشكل أو المضمون، إعتمادا على قدرته الفنية وما أتاحت له من تعبير عما يختلج في نفسه وفي نفوس متلقيه. وأنه جعل من الملحون تعبيرا يتسم بالروعة والجمال، وبأسلوب يذكر بأساليب أبي العتاهية وأبي نواس وأبي تمام وأبي الطيب في الفصيح حيث يلتقي الطبع بالصنعة وتتوحد الرواية مع الوصف، من غير تكلف أو إبتذال.