إن الاهتمام بالتاريخ سواء كموضوع أو كعلم يحصل غالبا بالنسبة لمختلف الشعوب القومية في مراحل التقهقر أو المراحل الانتقالية وهي في الحالتين تعود إلى الماضي وماضيها بالذات المقصور والمقروء قراءة خاصة وملائمة لحالتها. كذلك للتحصين فيه وتحافظ على كيانها أمام خطر خارجي خصوصا وهي كذلك تفعل هذا من أجل أن تسترجع تقتها بنفسها وتنتقي من تراثها وسائل تساعدها على تحقيق نهضتها ومن هنا نجد أن الباعث أو الظرف العام الذي كان المغرب يحياه في الفترة الاستعمارية جعلت المختار يتخذ هذه الطريق. ولقد كان من حذاقة مؤرخنا أن جعل من هذا النفي نقطة انطلاق لا انكماش، حيث كانت تآليفه رد فعل عكسي لاشك أن المستعمر لم ينتبه إلى أهميته ولو بصفة غير مباشرة فقد قدم محمد المختار بهذه المؤلفات خدمة جليلة لمجتمعه ووطنه لعلها لم تكن أقل أهمية عما كان بصدده وهو يناضل في صفوف الحركة الوطنية لما كان طالبا بفاس أو أستاذا بمراكش وله في المعسول إشارة إلى بعض الدواعي والأسباب التي أقنعته بالتأليف في الموضوعات التي أخذت منه كل وقته طيلة سنوات المنفى وجزءا غير يسير من حياته بعده.
يقول:"في هذا اليوم دهم علينا الاستعمار بخيله ورجله بلونه وفكره بسياسته ومكره بحضارته المشعة، بعلومه الحيوية المادية، بنظامه العجيب بمعالمه المنتجة السريعة بكل شيء يمت إلى الحياة الواقعية فوقع لنا كما وقع لأصحاب الكهف يوم رجعوا إلى الحياة ( ... ) فإذا بالمغرب يتحول في عهد قصير إلى مغرب آخر يغاير كل ما كان معروفا منه بالأمس ( ... ) "