هكذا، حين يعرض المختار لنخبة من الأدباء والشعراء والأصحاب الذين جمعته وإياهم صلة من قريب أو من بعيد، تراه يستعيد ذكرياته الماضية معهم بكل تفاصيلها أحيانا، معبرا بذلك عما يعتريه من إحساس عميق كلما أعاد أو استعاد لحظة التذكر تلك، وهو إحساس الأنس والتلذذ بالنص وصاحبه وفاء له واحتفاء بتجربته [9] . يقول:"مددت يدي إلى بعض آثار من رسائل الإخوان قدر لها أن توافيني في منفاي، فصرت أقلبها فأجدني إزاءها، كأنما توصلت بها اليوم، مع أن بعضها مر عنه سنوات، فظلت ساعة طويلة أقرأها وحدي في غرفتي هذه، حيث لا أنيس ولا جليس ولا سميع، فوجدت لقراءتها من اللذة والغبطة ما كنت لو تيسر لي أن أتوصل من جديد برسائل أخرى من أولئك الإخوان" [10] .
ثم يمضي المختار في سياحة خيالية، عبر أمكنة متعددة منها فاس والرباط والبيضاء ومراكش زار فيها كل الأحباب ممن ألف عشرتهم واستطاب أحاديثهم، فيتوقف عند بعض الإشارات التي تثبت نوعية الصلة التي تجمعه بالمروي عنهم ومدى الإفادة منهم، كقوله في أبي بكر التطواني السلاوي، مثلا:"أعجبت بالرجل لأنني أستفيد منه كثيرا، وكان المثل الأعلى للجليس الذي أحن إليه دائما ... وأشهد أنني قلما أصادف للتطواني نظيرا." [11] أو قوله في محمد الكانوني مؤرخ آسفي:"كنت أعجب دائما بإلمامه الكثير بالتاريخ وباستحضاره لكثير مما لم أعرفه، فكنت أستفيد منه الشيء النفيس ولا أحصي لكم كم أفادني ونبهني على أسماء كتب، وحوادث غريبة، وأسماء رجال .." [12] دون أن نغفل حديثه عن شاعر الحمراء، حين يقول في حقه:"إنني أقر بما لهذا الشاعر من تأثير غير"