يقول الشاعر محمد السرغيني:"في محاولة لتوجيه عدسة"الكاميرا"من أجل استقطاب المرئي من كل الجهات، تبيّن أن الشمس شمس حتى مع انحسار ضوئها عند المساء، وأن النجوم لا تفقد معناها السماويّ إن تشظّت منفوشة على الأديم، وأن الجبال جبال حتى ولو تفتتت صخورها ذرّات غبار تذروها الريح، وأن البحار لا تقلل من شهيّة أسماكها المرجانيّة ملوحة ُ ميّاهها. ورغم ذلك، يجد المتطفلون الفرصة سانحة لتأكيد عدم إحالة شيخوخة الأشياء على ملامحها الطرية القديمة، إذ منهم من لا يميز بين أول الشيء وآخره. السرمدية استرسال، وما الفصل العابر بين فقراتها إلا وقوف دقيقة صمت ترحّمًا على مستقبل تأخر عن موعد حضوره". هذا المقطع زاخر بالمعنى العام الذي تتحرك في مداره جل النصوص، فهو دال على الحكمة وهي تستقي أسسها من عناصر الكون، تلك الحكمة التي ترى في العالم أصلا واحدا، وأن صيرورته هي مجرد استرسال غير متقطع يمظهر السرمدية في تجليها عبر عناصر العالم، هذا الأصل ليس هو الظاهر المتغير والمتعدد والفاني، ولكنه ما يكمن خلفه بوصفه دالا على المعنى. ومن ثمة لا يمكن قراءة الديوان إلا بوصفه إعادة بناء المفصلة التي تعيد للعالم اتصاله الحقّ، بما يعنيه ذلك من إعادة بناء اللغة الشعرية وفق منظور تصير مع وحدات المعجم قابلة لأن يحل بعضها محل البعض، وتصير معه اللغات متساوية في الحضور لتأدية معنى لا يقيم في أية لغة منها، وإنما في الفضاء الذي يسمح بتجاورها.