لذلك احترقت أشرعة الإصلاح الواحد تلو الآخر لانتقاء الشروط الموضوعية عن بنية اجتماعية وسياسة سادرة في تقليديتها.
ومن عجب أن سؤال التحديث والإصلاح في كل المحطات المغربية الكبرى طرح دائما بصيغة إصلاحية دون الالتفات إلى شروطها الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
لنستمع مرة أخرى إلى معبر نصي دال في هذا الصدد من مرويات الفقيه السوسي ضمن كتاب حول مائدة الغداء، يقول هذا المعبر النصي:".. حاورته يوما -يقصد الباشا محمد منو- محاورة طويلة فيمن هو المسؤول عن انهيار المغرب أهو السلطان الذي كان لا يخفى عليه شيء أم الأمة التي أبت أن تستفيق والعالم كله مستفيق، فكان هو يميل إلى أن السلطان ينفع حقا لو تنبه للإصلاح المنشود كما ينبغي، ولكن نفعه لا يكون إلا بمقدار، كما أنه إن مشى في ذلك خطوة سيلقى عراقيل كثيرة من كل جهة، ثم قال إن جمود ذلك العهد وجهله السائد بالعالم المتمدن وما وقع فيه، لا يمكن أن يدركه كما هو من نشأوا بعد ذلك في المغرب، ولذلك لا يقدر أن يعذر أصحاب ذلك العهد إلا من كان عاش فيه واستيقن أنه لا يمكن أن يكون إلا كذلك .."! (ص31) .
قيل هذا التشخيص الموضوعي في زمن مغربي إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإذا ما تفحصنا ما تلاها من محطات تالية كبرى فسنجد أن ذات الجواب الجبري بقي محتفظا بكل صدقيته أي أنه لا يمكن للمغرب أن يكون إلا كذلك!؟
والإرادة البشرية المرتبطة فزيولوجيا ووجوديا بالسيرورة والتغيير؟!