فهرس الكتاب

الصفحة 29062 من 29568

سنة 1900، وبينما المغاربة يقيمون طقوس الاحتفال الموغلة في العتاقة بحلول العام الهجري الجديد، تهشم سياج الصمت الرهيب المطبق داخل وحول قصر الباهية بمراكش. في ذلك اليوم من شهر محرم الحرام من سنة 1319، أصبح عويل ونواح نسوة الجوهرة المعمارية البهية والباذخة سيد الموقف، معلنًا عن رحيل سيد المكان إلى دار البقاء. ابَّا احماد مات! سلَّم أحمد بن موسى، الرجل القوي والحاكم الفعلي للبلاد خلال العهد العزيزي الأول، الروح إلى باريها، سلمها رغم العناية الفائقة التي أحاطته بها نخبة من أفضل الأطباء الأوربيين المتواجدين بمراكش حينذاك، وثلة منتقاة من فقهاء مغرب نهاية القرن التاسع عشر.

ذرف السلطان مولاي عبد العزيز الدموع وهو يودع الرجل، الذي قاده إلى العرش، إلى مثواه الأخير، ويلقي على قبره نظرة الوداع. وبكل تأكيد، تذكر السلطان ما حدث قبل سنوات وهو طفل لا يزال لم يتجاوز عمره اثنتي عشرة سنة بعد، يوم ضمن له الراحل عرش المغرب ضد إرادة العديد من رجال المخزن الأقوياء ومنهم آل الجامعي.

وبما أن السلطة والثروة لم تكونا سوى وضعين عابرين في مغرب تلك الحقبة، فأول ما فعله السلطان المولى عبد العزيز حين عودته إلى البلاط بعد دفن الصدر الأعظم كان هو إصدار الأمر بحجز ممتلكات الهالك وبيعها «جميعها لمن وقفت عليه» .

يوم 17 ماي من سنة 1900، إذن، مات «الحاجب المستبد» كما كان ينعته العديد من المؤرخين الذين عاصروه. وبدا للجميع أن السنة تلك سنة شؤم بالنسبة لآل ابَّا حماد، إذ قبيل رحيل الصدر الأعظم مرض أخواه، وزير الحرب سعيد والحاجب إدريس، ليستريحا إلى الأبد من وِزر المسؤوليات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت