ومع التقدم في الدراسة مع الوالد حُبب إلي النحو وحفظُ شواهده مع معرفة بُحورها التي كانت كلَّ حظي من معرفة العَروض فكنت أميز بحور الشعر بمجرد سَماعها مستعينا بما أحفظه من أشعار الصوفية بلحونها وأنغامها، وهكذا أعكفتُ على المكتبة أقرأ وأكد ذهني، وإذا عرفت كتابا عند بعض الناس ولَم أجده في البيت رغبت إلى الوالد في شرائه، فكان يبحث عنه ويشتريه، ولا أنسى وصيته لوالدتي في مَرض موته، أن تشتري لي ما أطلبه من كتُب قائلا لها: «اشتري له الكُتب تعبيّ الأجرَ» أي تنال الأجر والثواب، وتوفي الوالد وَوَزّع الورثة الكتب فكان حظي منها قليلا من القليل، وكان من بينها مخطوطات في القراآت القرآنية والتجويد، فات معظمها بالبيع للحاجة وهي في خزانة تطوان العمومية، ويعتبر الباقي منها نواة المكتبة إلى ما ورثته من أبي مع إخْوتي وفيها مجموعة من كتب الفقه والنوازل المطبوعة على الحجر بفاس، وبعد أن بلغتُ نيّفا وعشرين سنة تزوجتُ ورشَّحني الفقيه القاضي السيد احمد ابن تاويت لتوظيفي كاتبًا له لإعجابه بخطي فقبلت ثم أنابني صهري الفقيه التجكاني عنه في الخطابة بجامع العيون، فتوفّرتْ لدي القدرة لإشباع نهمتي من الكتب، فكنت أتصيدها من دَلالَي الكتب يومئذ وهما عبد الكريم ملون الغماري وأحمد بن المهدي أَمْحيح السعيدي، وأحضُر دلالتها بجامع لوقش نحو أربع مرات، وبعد أن أصبحت خطيبا وواعظا رسميا بالجامع لم أكن أصرف إعانة الحبس إلا في شرائها طيلة خمسين سنة ونيف، وبعد سنوات تجمعت لدي مكتبة لا بأس بها قفَز عدُها من