يستهان بها، إذ أنه لما كان بالبصرة وشهد صلاة الجمعة فيها بمسجد علي، لاحظ أن الخطيب يلحن لحنا كثيرا جليا، وعجب من ذلك وذكره للقاضي، فقال القاضي له:"إن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئا من علم النحو"، وتأسف ابن بطوطة معلقا:"وهذه عبرة لمن تفكر فيها، سبحانه مغير الأشياء ومقلب الأمور .. هذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رئاسة النحو، وفيها أصله وفرعه، ومن أهلها إمامه الذي لا ينكر سبقه، لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دؤوبه عليها".
وعلى الرغم من أن ابن بطوطة لم يسم علماء بعينهم أخذ عنهم بطنجة إلا أن بدأه الرحلة وهو في سن اثنين وعشرين سنة ليكون فيما بعد من أمره ما كان، يدل على أنه التقى بعلماء كثر في بلده طنجة، وأخذ عنهم خصوصا منهم أقاربه الذي اشتهروا بالعلم والأدب وولاية القضاء.
كان من عادة ابن بطوطة أنه كلما سمع برجل من الصالحين إلا وشد الرحلة إليه لزيارته، محققا هدفين رئيسين في الآن نفسه؛ التجوال واكتشاف الأمكنة والبقاع، وملاقاة الصلحاء والأخيار أخذا وتبركا واقتداء .. واشتهر صاحبنا ابن بطوطة بسرعة كبيرة على التأقلم مع البلدان التي يحل فيها، فينسجم مع أهلها وعاداتهم وطرائق عيشهم، وهو ما يمكن أن نعتبره -مع شيء من التحفظ في الاستعمال التقني للمصطلح- وعيا أنثربولوجيا مبكرا ساهم لا محالة في دقة المعلومات الواردة في الرحلة ومعقوليتها.