كاتبين عند الأمير أبي سعيد عثمان. ولما خضعت غرناطة لسلطان الدولة الموحدية سنة 551هـ، أضافها عبد المؤمن بن علي إلى ولاية ابنه أبي سعيد. وتنقل ابن جبير مع الأمير الموحدي بين غرناطة وسبتة.
يقول الأستاذ إبراهيم شمس الدين في مقدمة تحقيقه لرحلة ابن جبير (طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 2003) :"لم يشتغل ابن جبير بالكتابة وحدها بل بالتدريس أيضا، وخاصة بعد رحلته الثانية إلى الشرق .. فقد انقطع مدة في فاس للتحديث ورواية ما عنده وممارسة التصوف. وكان قد فعل شيئا من ذلك في المشرق، فخلف بذلك تلاميذ له في الغرب الإسلامي أشهرهم على الإطلاق أحمد بن عبد المؤمن الشريشي شارح المقامات الحريرية، وأشهرهم في الشرق عبد الكريم بن عطاء الله، ورشيد الدين بن العطار بالإسكندرية، والحافظان أبو محمد المنذري وأبو الحسين يحيى بن علي القرشي بالقاهرة ...".
ووصف لسان الدين بن الخطيب -في"الإحاطة"- صاحبنا ابن جبير بأنه"كان فاضلا، نزيه الهمة، سري النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة، ذا فضل بديع وورع يحقق أعماله الصالحة". ووصفه صاحب"الملتمس"بأنه"كان من أهل المروءات، عاشقا في قضاء الحوائج والسعي في حقوق الإخوان والمبادرة لإيناس الغرباء".. ويظهر في رحلته الشهيرة حرصه الشديد على زيارة أضرحة أعلام الدين، ولقاء المشهورين من رجاله، كل ذلك جعله يميل إلى الزهد. وأخذ هذا الميل يزداد إلى أن جعله ينبذ الدنيا العريضة التي نالها بالأدب كما يقول المقري في"النفح"..