الصفحة 110 من 163

9 -كما جعل الله تعالى الدعاء سببًا للرزق، فكما يؤمن العباد أن الله تعالى هو خالقهم فهو رازقهم؛ ويلزم من هذا الاعتقاد أنهم إذا أرادوا الرزق ألاّ يطلبوه إلا منه وحده سبحانه، وهذا من مقتضيات عبوديتهم له سبحانه، فقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت اللهم ارزقني إن شئت وليعزم المسألة فإنه يفعل ما يشاء لا مكره له) . [1]

ثانيًا: الأسباب الدنيوية في جلب الرزق وهي تلك الأمور والأعمال التي يقوم بها الناس بصفة عامة، كأمور الكسب والمعاش مما فيها تسيير أمور حياتهم وتسهيلها، بِغَض النظر عن كونهم مؤمنين أو غير مؤمنين، إذ يشترك فيها المؤمن والكافر، بينما الأسباب الشرعية لا تكون إلا من المؤمن، وهي ليست مصنفة من أمور الإيمانيات، أو العبادات بالمفهوم الاصطلاحي للشعائر. وليس المقصود بها أنها لا علاقة لها بالشرع وبإرادة الله؛ لأن مفهوم العبادة العام يشمل كل أفعال المؤمن شرعية ودنيوية، فالحكم الشرعي يتناول كل أفعال العباد ذلك أن الحكم الشرعي عند الأصوليين هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا، ولذا فإن حكم كل فعل من هذه التي سميناها أسبابًا دنيوية إما فرض أو مندوب أو حرام أو مكروه أو مباح.

وقد أشارت الآيات والأحاديث النبوية إلى الأخذ بالأسباب المادية في الأمور كلها، ومن ذلك قضية الرزق؛ فإنها تنال بالأخذ بالأسباب، من ذلك: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك 15) ، وقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ? أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة 63 - 64) ، وقوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل 20) .

ومن السعي في الرزق إنشاء الاسواق التجارية وفتح الطرق وإستصلاح الاراضي للزراعة وغير ذلك من اعمال التجارة والصناعة والزراعة.

الحقيقة الثالثة: الأسباب المانعة للرزق

إذا كان للرزق أسباب جالبة فإن له أسبابًا مانعة كذلك، وكل ذلك بقدر الله عز وجل. وهناك أسباب جعلها الله هي بذاتها مانعة من الرزق أو منقصة له، ويمكن تصنيفها على النحو التالي:

أولا: الموانع الشرعية (الكفر والمعاصي)

1 -الكفر وجحد النعمة:

وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم 7) ، وقوله تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل 112) .

2 -الذنوب والمعاصي أسباب في منع الرزق:

قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ? يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة 275 و 276) ، فمن عاد إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة، ولهذا قال سبحانه: (فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة 81 و 275) .

ثانيا: الموانع الدنيوية

إن كل تعطيل للأسباب المادية الدنيوية التي ذكرناها في الأسباب الجالبة للرزق يعدّ موانع دنيوية للرزق. وقد أشار الشرع إلى موانع دنيوية أخرى للرزق منها:

(1) رواه الامام احمد في المسند والشيخان وابو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، قال الشيخ الألباني: (صحيح) . وانظر الحديث رقم/ 7763 في صحيح الجامع وزيادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت