الصفحة 112 من 163

49)، فلا يخرج شيء عن قدر الله تعالى، ومن جملة ذلك، أمر الزواج والإنجاب والسعادة والشقاء والسعي في تحصيل الزوج الصالح، وتوضيح ذلك، أن الله تعالى يقدر الأشياء على أسباب يقدرها أيضا، فقَدَّر الحصول على الزوج، وقَدَّر سببه وهو السعي في الطلب، فالحصول على الزوج، والسعي له من قَدَر الله تعالى.

فالزواج رزقٌ من الأرزاق التي قدَّرها الله سبحانه لا يتغير ولا يتبدل، وأن الله كتب على كل امرأة حظها من الرجال، وكذلك الرجال، قبل أن يخلقهم، ولكن هذا لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب المباحة، فإن الأخذ بالأسباب مأمور به شرعا، فما علينا إلا أن نأخذ بالأسباب الظاهرة، وندع النتائج بعد ذلك إلى الله جل جلاله. وعليه، فالزواج إما قدرًا مبرمًا أو قدرًا معلقًا، فإذا كان في الصحف التي في أيدي الملائكة أن فلانا سيتزوج من فلانة فإن ذلك قد يكون:

-موافقا لما قدره الله في أزله، وبالتالي فلن يتغير أبدا، وسيتم الزواج.

-وقد لا يكون موافقا لما قدره الله في أزله، وفي تلك الحالة فإنه سيتغير لا محالة حتى يوافق ما هو مقدر في الأزل، فلا يتم الزواج.

وقد تقدم أن القدر المعلق يكون مقيدا بسبب (أي: مكتوب مقدر بأسبابه) ، والاخذ بالأسباب المشروعة - كما تقدم - مأمور به شرعا، فالأسباب قدر مخلوق لله تعالى، كذلك نتائجها مقدورة لله سبحانه وتعالى، إذ أن خالق الأسباب والمسببات واحد سبحانه وتعالى.

ومن الأسباب المشروعة:

1/ الإيمان بالله تعالى لقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف 96) .

2/ حسن الظن بالله جل جلاله: أن يحسن العبد الظن بالله جل جلاله ويتفاءل؛ لأن الله يحب الفأل، وأن يعلم العبد أن الله هو الرازق وحده سبحانه. فلا ييأس من رحمة الله، فالله تعالى يقول: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف 87) .

3/ التقوى: قال تعالى: ( ... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ? وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق 2 و 3) ، وعن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاء رجل فقال: إنه طلَّق امرأته ثلاثًا؟ قال: فسكت حتى ظننت أنه رادُّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأُحْمُوقَةَ، ثم يقول: يا ابن عباس! يا ابن عباس! وإن الله قال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ له مَخْرَجًا) ، وإنَّك لم تَتقِ اللهَ، فلم أجِدْ لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله قال: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن) في قُبُلِ عِدَّتهن. [1]

4/ الدعاء: التوجه الى الله تعالى بدعائه واللجوء إليه بأن ييسر هذا الأمر وأن يرزقه زوجًا صالحًا ليكون عونًا له على أمر دينه ودنياه. قال الله سبحانه وتعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر 60) .

وقال سبحانه: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة 201) ، وعن ثابت أنهم قالوا لأنس بن مالك: ادع الله لنا فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا: زدنا فأعادها قالوا: زدنا فأعادها فقالوا: زدنا فقال: ما تريدون؟ سألت لكم خير الدنيا والآخرة.

قال أنس: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يدعو بها:

(اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) . [2]

قال ابن كثير: فَجَمَعَتْ هَذِهِ الدعوةُ كلَّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا، وصرَفت كُلَّ شَرٍّ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ فِي الدُّنْيَا تشملُ كُلَّ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ، مِنْ عَافِيَةٍ، وَدَارٍ رَحْبَةٍ، وَزَوْجَةٍ حَسَنَةٍ، وَرِزْقٍ وَاسِعٍ، وَعِلْمٍ نَافِعٍ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَمَرْكَبٍ هَنِيءٍ، وَثَنَاءٍ

(1) رواه ابو داود، وقال الشيخ الالباني في صحيح أبي داود / 1907: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه الحافظ ابن حجر.

(2) رواه ابن حبان في صحيحه وعلق عليه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان / 934: صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت