الصفحة 123 من 163

الشيطان). [1] قال الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ معلقا على الحديث برواية الامام مسلم في صحيحه: (قَدَّرَ اللَّهُ: بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا) [2] ، (فإن الوجهين صحيحان ومعناهما واحد، فإن القدر اسم مصدر من قدر الشيء، والمصدر التقدير، ومثله في الوزن سلم سلما وتسليما، فإذا قرأت قدر الله بالرفع على أنها اسم كانت خبرا لمبتدأ محذوف تقديره هذا قدر الله، وإذا قرأت بتشديد الدال وفتح الراء كانت فعلا ماضيا) . [3]

2.إذا تحدث عن حال أو مستقبل فيقول: سأفعل كذا إن شاء الله، سوف أُتم العمل الحاضر إن شاء الله، وهكذا يعلقه على المشيئة، قال تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ? إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) (الكهف 23 و 24) ، فإذا كان الأمر يُعَلَقُ على المستقبل فإنه يتأكد استعمال المشيئة، يعني أن يُعَلَّق الأمر على مشيئة الله؛ لأنَّ ما شاء الله تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق العلماء على أنّ منْ حلفَ باللهِ لَيُصَلِّيَنَّ كذا إن شاء الله فإنه إن لم يفعل المحلوف عليه، لا يحنث مع أنّ الله أمره به؛ لقوله: (إن شاء الله) ، فعُلِمَ أن الله لم يشأهُ مَعَ أمْرِهِ به.

ويصح قول (إن شاء الله) لتأكيد تحقق الأمر بمشيئة الله، فلا بأس أن يُؤَكَدَ أي أمر وقع بكلمة (إن شاء الله) ويقصد بها أنه تحقق ووقع بمشيئة الله عز وجل، وعلى هذا جاء في القرآن قول الله عز وجل (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (يوسف 99) ، بعد أن دخلوا، وكقوله عز وجل (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) (الفتح 27) .

3.قال تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا) (الكهف 39) .

قال ابن كثير: (أَيْ: هَلَّا إِذَا أَعْجَبَتْكَ حِينَ دَخَلْتَهَا وَنَظَرْتَ إِلَيْهَا حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ به عليك، وأعطاك من المال والولد مَا لَمْ يُعْطَهُ غَيْرُكَ، وَقُلْتَ:(مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضَ السَّلَفِ: مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ حَالِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ، فَلْيَقُلْ: (مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.) [4]

وسئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

(عن أقوام يقولون: المشيئة مشيئة الله في الماضي والمستقبل، وأقوام يقولون: المشيئة في المستقبل لا في الماضي. ما الصواب؟

فأجاب: الماضي مضى بمشيئة الله، والمستقبل لا يكون إلا أن يشاء الله.

فمن قال في الماضي: إن الله خلق السماوات إن شاء الله وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إن شاء الله فقد أخطأ. ومن قال: خلق الله السماوات بمشيئة الله وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بمشيئته ونحو ذلك فقد أصاب.

ومن قال: إنه يكون في الوجود شيء بدون مشيئة الله فقد أخطأ. ومن قال: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فقد أصاب، وكلما تقدم فقد كان بمشيئة الله قطعا؛ فالله خلق السماوات بمشيئته قطعا، وأرسل محمدا صلى الله عليه

(1) رواه ابن حبان في صحيحه - 5691 وعلق عليه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان: صحيح.

(2) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح / الشيخ علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى 1014 هـ) ، دار الفكر، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1422 هـ -2002 م، 8/ 3318.

(3) فتوى -النطق الصحيح لعبارة (قدر الله وما شاء فعل) ، الخميس 6/شعبان/1427، 31/ 8/2006، رقم الفتوى/76843، التصنيف، http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=76843

(4) تفسير القرآن العظيم / أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى 774 هـ) ، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1420 هـ -1999 م، 5/ 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت