الصفحة 125 من 163

والله جل وعلا ما ترك لهم حجة، بل إنه أعطاهم الاختيار، وأعطاهم القدرة، وأعطاهم المشيئة، وبيّن لهم طريق الخير، وبين لهم طريق الشر، وأعطاهم إمكانيات يستطيعون بها أن يفعلوا أو يتركوا، وليسوا مجبرين على ما يقولون، وأيضًا الله بيّن أنه لا يرضى لعباده الكفر، قال تعالى: (وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) (الزمر 7) وإن كان قدّره وشاءه فليس من لازم القدر الرضا، فالله يقدر الكفر وهو يبغضه؛ من أجل أن يتميز الناس بعضهم من بعض، ويتميز الصادق من الكاذب، ويتبين المؤمن من الكافر، ويتبين المنافق من المؤمن الصحيح، فالله قدّر هذه الأمور المكروهة لحكمة منه سبحانه، ما قدرها عبثًا، ورتب الجزاء على أفعالهم التي يفعلونها باختيارهم.

ولذلك المجنون والمعتوه والمكره والنائم، لا يؤاخذون؛ لأنهم ليس عندهم اختيار، وليس عندهم عقل، مهما فعل لا يؤاخذ.

فمن أعطاه الله العقل والتفكير، ولم يكن مكرهًا على فعله، فإنه يؤاخذ؛ لأنه أقدم على الشر باختياره، فالزاني يزني باختياره، وتارك الصلاة يتركها باختياره، وعنده القدرة أنه يقوم يصلي، والزاني أيضًا بُيِّن له أن الزنا حرام، وعواقبه وخيمة، ورتب الله على الزنا حدًا رادعًا، وأرسل الرسل تنهى عن الشرك والكفر، فكيف يحتجون على الله جل وعلا على معاصيهم وكفرهم وشركهم وضلالهم؟ وهم ليس لهم حجة على الله، وإنما الحجة لله عليهم (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) (الأنعام 149) .

فلا يجوز الاحتجاج بالقدر إلا على المصائب، إذا أصابك مصيبة فلا تجزع، وقل: هذا قَدَرُ الله، وما شاء فعل، وتصبر وتحتسب. أما المعصية فلا يحتج عليها بالقدر، بل على العاصي أن يتوب إلى الله، وتجنب المعاصي والشرور، فالاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي هو فعل الجاهلية. ?ھ [1]

أربع حالات للاحتجاج بالقدر ولكل منها جواب وحكم شرعي

· الحالة الأولى: الاحتجاج بالقدر على المصيبة قبل وقوعها، وهو احتجاج مرفوض إذ من أعلم العبد الذي يحتج بالقدر هنا أن المصيبة ستقع في المستقبل وأنه لابد أن يستسلم لها سلفًا إيمانًا بأنها مقدرة حتى يدفعه ذلك الاحتجاج إلى التوقف عن العمل وعدم الأخذ بالأسباب لتفادي الوقوع في المصيبة؟ فمثل هذا السلوك بزعم الإيمان بالقدر والاحتجاج به على المصيبة قبل وقوعها مرفوض عقلًا وغير جائز شرعًا.

· الحالة الثانية: الاحتجاج بالقدر على المصيبة بعد وقوعها. والمرفوض في هذه الحالة عقلًا وشرعًا هو زعم الإيمان بالقدر مما يمنع النظر في الأسباب الموصلة إلى المصيبة ويمنع أخذ العبرة والعظة، ويمنع البحث عن الأسباب الموصلة إلى الخير مما يجعل العبد متخليًا عن المسؤولية بعدم تحميل النفس أنها السبب قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى 30) أما الوجه المقبول عقلًا وجائز شرعًا في هذه الحالة فهو الإيمان بأن ما وقع من مصيبة إنما هو قدر من أقدار الله عز وجل، والعبد يرضى بقدر الله تعالى؛ فإن كان خيرًا شكر الله عليه، وإن كان شرًّا صبر عليه. فالسلوك الإيجابي للإيمان بالقدر هنا هو في البحث عن الأسباب الموصلة للمصيبة لأخذ العبرة والعمل بالأسباب الموصلة للخير لتفادي الوقوع في الأسباب الموصلة للمصيبة في المستقبل.

· الحالة الثالثة: الاحتجاج بالقدر على الذنب والمعصية قبل وقوعهما. وهو غير جائز شرعًا وعقلًا لأن الإنسان لا يعلم القدر قبل وقوعه، فكيف يحتج بالقدر على ذنب لم يحصل ومعصية لم تقترف بعد من أجل أن يعمل الذنب والمعصية، ويقول أعصي ربي وأعمل الذنب لأنهما مقدران عليّ ولا بد أن يتحققا. فمِن أين له العلم بقدر الله السابق عليه في الأزل، وأنه قدر عليه الذنب والمعصية فلا بد أن يعملهما؟ فهذا فهمٌ سقيم للقدر، وسلوك عابث لا يدل على مؤمن بالله وبقدره.

· الحالة الرابعة: الاحتجاج بالقدر على الذنب والمعصية بعد وقوعهما للتخلص من المسؤولية، ولعدم الإحساس باللوم على التقصير. وهذا باطل أيضًا شرعًا وعقلًا؛ فإن وقوع العبد بالذنب واقترافه للمعصية

(1) شرح (مسائل الجاهلية لمحمد بن عبد الوهاب) / الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار العاصمة للنشر والتوزيع الرياض، الطبعة الأولى 1421 هـ -2005 م. ص 158 - 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت