كانا بإرادة مختارة منه، وأسباب كسبها بنفسه مخالفًا بها شرع ربه، فهو مُلامٌ على ذلك ولا ينفعه الاحتجاج بالقدر. والسلوك الايجابي في هذه الحالة مع المعصية والذنب بعد وقوعهما هو التوبة والاستغفار، والبعد عن الأسباب الموصلة إليهما، وعدم الاحتجاج بالقدر على ذلك للتخلي عن المسؤولية، لكن ما وقع قدرًا وقع قدرًا بأسبابه التي للعبد كسب فيها واختيار.
وبعد هذا لماذا يحتج المتعذر بالقدر على المصيبة والذنب ولا يحتج بالقدر على الخير والنعمة التي تحل به وعلى العمل بالطاعة؟! فالمفروض أن ينسب الخير إلى قدر الله مع إيمانه بالعمل والأسباب الموصلة إليه كما يتحمل المسؤولية عن الأسباب والأعمال الموصلة إلى الشر، وإن كانت لا تقع إلا بقدر الله، فالتوحيد يقتضي الإيمان بالقدر كله؛ خيره وشره، حلوه ومرّه. [1]
11/ العلاقة بين فعل العبد وفعل الرب [2]
إن العلاقة بين فعل العبد وفعل الرب أربعة أنواع وهي:
1 -حال الطاعة، فطاعة العبد لربه تتم بإرادة الله تعالى الكونية، وموافقة العبد بإرادته لإرادة الله تعالى الشرعية، فتتوافق الارادات، ويظهر توفيق الرب للعبد، وفعل العبد هنا يُنسب الفضل فيه الى الله تعالى.
قال تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ) (النساء 79) سواء كان حسنة بالإرادة الكونية أو الإرادة الشرعية، فالفضل لله في طاعة عبده، لذا يجب على العبد أن ينسب الفضل إلى ربه، فهو الذي حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه، قال تعالى: (وَاعْلمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُول اللهِ لوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِليْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِليْكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات 7) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قاربوا وسددوا فإنه ليس أحد منكم بمنجيه عمله) ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) . [3]
قال الشيخ الالباني: (واعلم أن هذا الحديث قد يشكل على بعض الناس، ويتوهم أنه مخالف لقوله تعالى:
(وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) ، ونحوها من الآيات والأحاديث الدالة على أن دخول الجنة بالعمل، وقد أجيب بأجوبة أقربها إلى الصواب: أن الباء في قوله في الحديث: (بعمله) هي باء الثمنية، والباء في الآية باء السببية، أي أن العمل الصالح سبب لابد منه لدخول الجنة، ولكنه ليس ثمنا لدخول الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والدرجات). ?ھ [4]
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: (وقوله صلى الله عليه وسلم:(لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) لا يناقض قوله تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الواقعة 24) . فإن المنفي نفي بباء المقابلة والمعاوضة كما يقال بعت هذا بهذا، وما أثبت أثبت بباء السبب، فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سببا للجزاء، ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) . وروي (بمغفرته) .). [5]
(1) بين الإيمان بالقَدر والأخذ بالأسباب، دراسة عقدية تطبيقية / شريف الشيخ صالح الخطيب وراجح عبد الحميد الكردي، جامعة أم القرى، رابط البحث: http://uqu.edu.sa/page/ar/147037.
(2) باختصار وتصرف من (دورة منة القدير بميت الرخا - غربية - مصر / المحاضرة السادسة عشر - عنوان المحاضرة:(القدر حجة عند المصائب لا عند المعائب) .موقع الرضوانية، دار العقيدة المصرية www.alridwany.com، وموقع علماء السلف) مع اضافات لأقوال اهل العلم كما مبين في الحاشية.
(3) رواه ابن ماجة وصححه الالباني، وأنظر السلسلة الصحيحة / 2602،
(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الالباني / الحديث 2602، 6/ 198.
(5) مجموع الفتاوى / شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية -المملكة العربية السعودية، عام النشر 1416 هـ/1995 م. 1/ 217.