الصفحة 127 من 163

2 -حال المعصية، فمعصية الرب ينسب فيها الفعل إلى كسب العبد وإن تم الفعل بقدر الله تعالى.

والمعصية ينسب فيها الفعل إلى كسب العبد، وإن تم الفعل بقدرة الرب ومشيئته، قال تعالى عن الطاعة: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ) (النساء 79) ، وقال في المقابل عن المعصية: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء 79) فالمعصية لا يصح أن ينسبها العبد إلى الرب تعالى، فهذا فعل المشركين الذين قال الله فيهم: (سَيَقُولُ الذِينَ أَشْرَكُوا لوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلكَ كَذَّبَ الذِينَ مِنْ قَبْلهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُل هَل عِنْدَكُمْ مِنْ عِلمٍ فَتُخْرِجُوهُ لنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ) (الأنعام 148) (وَقَال الذِينَ أَشْرَكُوا لوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلكَ فَعَل الذِينَ مِنْ قَبْلهِمْ فَهَل عَلى الرُّسُل إِلا البَلاغُ المُبِينُ) (النحل 35) .

وقال تعالى: (وَإِذَا قِيل لهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَال الذِينَ كَفَرُوا للذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (يس 47) ، وقال تعالى: (وَقَالُوا لوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لهُمْ بِذَلكَ مِنْ عِلمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ) (الزخرف 20) .

والمعصية وإن كانت بقدر الله إلا أنه لا يجوز للعاصي أن يحتج فيها بالقدر، وأنه مسير في ذلك مجبور على العصيان، فإن من فعل ذلك كان من أهل الزندقة، كالذي رأى لصا مر عليه وهو مقطوع اليد مقام عليه الحد، فقال: مسكين مظلوم أجبره الله على السرقة ثم قطع يده عليها، فصاحب هذا الاعتقاد الفاسد لا يكون إلا ظالما متناقضا، إذا آذاه غيره أو ظلمه طلب معاقبته والمبالغة في جزائه والانتقام منه، ولم يعذره بالقدر وبحجة أنه مسير مجبور، وإذا كان هو الظالم لغيره احتج هو لنفسه بالقدر، وادعى أنه مسير مجبور.

فلا يحتج أحد بالقدر على معصيته إلا لإتباع الهوى، وحجته باطلة داحضة فاسدة، لا حق معه ولا دليل، ولذلك لما احتج المشركون بالقدر على شركهم، بين الله كذبهم وقال لهم: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ) (الأنعام 148) .

3 -المصيبة التي وقعت بقدر الله كعلة لابتلاء العبد في موافقته للإرادة الشرعية.

المصيبة التي وقعت بقدر الله كعلة لابتلاء العبد في موافقته للإرادة الشرعية أو عدمها، كما قال الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلبَهُ وَاللهُ بِكُل شَيْءٍ عَليمٌ) (التغابن 11) .

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم) ، فالسعيد يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب، والشقي يجزع عند المصائب، ويحتج بالقدر على المعائب. كما قال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الذِينَ لا يُوقِنُونَ) (الروم 60) ، وقال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ وَالأِبْكَارِ) (غافر 55) .

وقال الشيخ صالح الفوزان: (المصائب التي تصيب الإنسان من موت قريب، أو ضياع مال، أو مرض يصيب الإنسان، لا بد أن يصبر على قضاء الله وقدره لا يجزع ولا يتسخط بل يحبس اللسان عن النياحة والتسخط ويحبس النفس عن الجزع، ويحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب. هذا هو الصبر على المصائب.

أما المعائب فلا يصبر عليها بل يتوب إلى الله وينفر منها؛ ولكن عند المصائب التي لا دخل لك فيها، بل هي من الله عز وجل قدرها عليك ابتلاء وامتحانًا أو عقوبة لك على ذنوب فعلتها، كما في قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى 3) .

فإذا حصلت للمسلم مصيبة في نفسه أو ماله أو ولده أو قريبه أو أحد إخوانه من المسلمين فعليه بالصبر والاحتساب، قال تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة 156 و 157) هذا هو الصبر، ومن ذلك الصبر على الأذى في الدعوة إلى الله عز وجل فإن هذا من المصائب فعليك أن تصبر على ما تلقى من الأذى في سبيل الخير، ولا تنثني عن فعل الخير؛ لأن بعض الناس يريد فعل الخير لكن إذا واجهه شيء يكرهه قال: ليس من الواجب علي أن أدخل نفسي في هذه الأمور، ثم يترك التعليم إن كان معلمًا، يترك الدعوة إلى الله، يترك الخطابة إن كان خطيب مسجد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت