الصفحة 128 من 163

يترك إمامة المسجد، يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا لم يصبر على ما ناله من الأذى. وإذا كنت مخطئًا عليك بالرجوع إلى الحق والصواب، أما إن كنت على حق ولم تخطئ فعليك بالصبر والاحتساب واستشعر أن هذا في سبيل الله عز وجل وأنك مأجور عليه، وتذكر ما حصل للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الأذى وكيف صبروا وجاهدوا في سبيل الله حتى نصرهم الله عز وجل). [1]

4 -المعصية التي تاب العبد منها كما حدث في احتجاج آدم وموسى

المعصية التي تاب العبد منها فيجوز الاحتجاج بالقدر عليها كما حدث في احتجاج آدم وموسى عليهما السلام. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (احتجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ونَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وأَغْوَيْتَ النَّاسَ وأخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ تلومُني عَلَى عَمَلٍ عَمِلْتُهُ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السماوات والأرض؟ قال: فحجَّ آدمَ موسى) [2]

وربما يقول قائل آدم احتج بالقدر على معصيته، وموسى لامه بعد توبته، وجواب ذلك أن موسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه، كما أن الله بعد توبته اجتباه وهداه واصطفاه، كما أن آدم عليه السلام أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته، بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء، والمحنة بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة، المحنة التي نالت الذرية، ولهذا قال له أخرجتنا ونفسك من الجنة، وفي لفظ خيبتنا، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، وقال إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة.

ومثال ذلك من عصى ربه وتاب ثم يتذكر معصيته مع بعض أصحابه فيقول قدر الله وما شاء فعل، (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُل مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَال هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلنَاكَ للنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا) (النساء:79) . [3]

قال الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة الحديث 1702:

(قوله:(فحج آدم موسى) أي غلبه بالحجة. واعلم أن العلماء قد اختلفوا في توجيه ذلك، وأحسن ما وقفت عليه ما أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إنما هو أن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لذريته من المصيبة بسبب أكله من الشجرة، لا لأجل حق الله في الذنب، فإن آدم كان قد تاب من الذنب، وموسى عليه السلام يعلم أن بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، ولهذا قال: (فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟) ، لم يقل: لماذا خالفت الأمر؟ والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم بالتسليم للقدر وشهود الربوبية.) ?ھ [4]

(1) شرح الأصول الثلاثة / الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى -1427 هـ -2006 م. ص 34 - 35.

(2) رواه ابن حبان في صحيحه / 6146، وعلق عليه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان: صحيح. والحديث رواه الشيخان والامام احمد في المسند وابو داود والترمذي وابن ماجة عن ابي هريرة، وانظر صحيح الجامع للشيخ الالباني الحديث /184.

(3) باختصار من دورة منة القدير بميت الرخا - غربية - مصر / المحاضرة السادسة عشر، عنوان المحاضرة: (القدر حجة عند المصائب لا عند المعائب) / الدكتور محمود عبد الرازق الرضواني. وانظر غير مأمور كتاب منة القدير وكتاب سهل في العقيدة

والتوحيد لفضيلة الدكتور الرضواني، موقع الرضوانية - دار العقيدة المصرية www.alridwany.com، وموقع علماء السلف.

(4) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها / الشيخ محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى 1420 هـ) ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 4/ 277 - 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت