الصفحة 133 من 163

واعلم (إن الإنسان مخير باعتبار، ومسير باعتبار؛ فهو مخير باعتبار أن له مشيئةً يختار بها، وقدرةً يفعل بها؛ لقوله تعالى:(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف 29) ، وقوله: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد 10) ، وقوله: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة 223) ، وقوله: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (آل عمران 133) .

ولقوله عليه الصلاة والسلام: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز .... ) [1] الحديث، وقوله: (صلوا قبل صلاة المغرب) قال في الثالثة: (لمن شاء) ، [2] إلى غير ذلك من الأدلة في هذا المعنى.

وهو مسير باعتبار أنه في جميع أفعاله داخل في القدر، راجع إليه؛ لكونه لا يخرج عما قدَّره الله له؛ فلا يخرج في تخييره عن قدرة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (يونس 22) ، وقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (القصص 68) .

ولقوله صلى الله عليه وسلم: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) [3] .

إلى غير ذلك من الأدلة في هذا المعنى.

ولهذا جمع الله بين هذين الأمرين - كون الإنسان مخيرًا باعتبار ومسيرًا باعتبار - كما في قوله تعالى:

(لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ? وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير 28 - 29) .

فأثبت عز وجل أن للعبد مشيئة، وبَيَّنَ أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، واقعة بها.

وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله: (ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار) . قالوا: يا رسول الله: فَلِمَ نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: (لا، اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له) . [4]

فهذا الحديث دليل لما سبق؛ فهو يدل على أن الإنسان مخير؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (اعملوا) وعلى أنه لا يخرج في تخييره عن قدر الله؛ لقوله: (فكل ميسر لما خلق له) .

هذا مقتضى أدلة الشرع والواقع في هذه المسألة. [5]

فلعل في هذا التقرير إجابة شافية، وجمعًا بين النصوص في هذه المسألة. ومما يستحسن في هذا الأمر أن يصحح السؤال؛ فبدلًا من أن يقال: هل الإنسان مسير أو مخير؟ كان الأولى أن يقال: هل للإنسان مشيئة وقدرة أوْ لا؟، والجواب - كما تقدم - وتلخيصه أن يقال: إن للإنسان مشيئةً يختار بها، وقدرةً يفعل بها، وقدرته ومشيئته تابعتان لمشيئة الله، واقعتان بها. وبهذا يزول الإشكال، ويجاب عن هذا السؤال.

ومن هنا يتبين خطأ بعض من يكتبون عن القدر، وذلك حينما يصدِّرون كتاباتهم عن القدر بذلك السؤال: هل الإنسان مسير أو مخير؟ ويطنبون في الخوض فيه، والحديث عنه، دون خروج بنتيجة صحيحة في الغالب وكأن باب القدر لا يفهم إلا بالإجابة عن هذا السؤال. [6]

وكان الأولى بهؤلاء إذا أرادوا أن يكتبوا عن القدر أن يصدِّروها بتوضيح القدر من أصله من خلال نصوص الكتاب والسنة، لا من خلال العقول القاصرة، فيوضحوا القدر بمراتبه الأربع، ويبينوا أنَّ الله أمر ونهى، وأنَّ على العبد أن يؤمن بالقدر ويؤمن بالشرع، فعليه تصديق الخبر، وطاعة الأمر، فإن أحسن فليحمد الله، وإن أساء فليستغفر الله.

(1) رواه مسلم (2664) .

(2) رواه البخاري (1183 و 7368) .

(3) رواه مسلم (2653) .

(4) رواه البخاري (1362 و 4945) ، ومسلم (2647) .

(5) انظر دفع إيهام الاضطراب للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص 286 - 287.

فتاوى اللجنة الدائمة 3/ 377 - 380.

انظر على سبيل المثال إلى كتاب القضاء والقدر للشيخ محمد الشعراوي ص 9 - 12، ومسألة القضاء والقدر لعبد الحليم قنبس، وخالد العك 115 - 150، وما هو القضاء والقدر محمد محمود عجاج، والقضاء والقدر حق وعدل للأستاذ هشام الحمصي ص 117 - 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت