سئل الشيخ ابن تيمية رحمه الله: عن قول الشيخ عبد القادر: نازعت أقدار الحق بالحق للحق.
فأجاب:
الحمد لله جميع الحوادث كائنة بقضاء الله وقدره وقد أمرنا الله سبحانه أن نزيل الشر بالخير بحسب الإمكان ونزيل الكفر بالإيمان والبدعة بالسنة والمعصية بالطاعة من أنفسنا ومن عندنا فكل من كفر أو فسق أو عصى فعليه أن يتوب وإن كان ذلك بقدر الله وعليه أن يأمر غيره بالمعروف وينهاه عن المنكر بحسب الإمكان ويجاهد في سبيل الله. وإن كان ما يعمله من المنكر والكفر والفسوق والعصيان بقدر الله ليس للإنسان أن يدع السعي فيما ينفعه الله به متكلا على القدر بل يفعل ما أمر الله ورسوله كما روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان) . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرص على ما ينفعه والذي ينفعه يحتاج إلى منازعة شياطين الإنس والجن ودفع ما قدر من الشر بما قدره الله من الخير. وعليه مع ذلك أن يستعين بالله فإنه لا حول ولا قوة إلا به وأن يكون عمله خالصا لله؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه وهذا حقيقة قولك: (إياك نعبد) والذي قبله حقيقة (وإياك نستعين) فعليه أن يعبد الله بفعل المأمور وترك المحظور وأن يكون مستعينا بالله على ذلك، وفي عبادة الله وطاعته فيما أمر إزالة ما قدر من الشر بما قدر من الخير ودفع ما يريده الشيطان ويسعى فيه من الشر قبل أن يصل بما يدفعه الله به من الخير. قال الله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (البقرة 251) ، كما يدفع شر الكفار والفجار الذي في نفوسهم والذي سعوا فيه بالحق كإعداد القوة ورباط الخيل وكالدعاء والصدقة الذين يدفعان البلاء كما جاء في الحديث: (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض) ، [1] فالشر تارة يكون قد انعقد سببه وخيف فيدفع وصوله فيدفع الكفار إذا قصدوا بلاد الإسلام وتارة يكون قد وجد فيزال وتبدل السيئات بالحسنات وكل هذا من باب دفع ما قدر من الشر بما قدر من الخير وهذا واجب تارة ومستحب تارة. فالذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الذي أمر الله به ورسوله. [2]
21/ هل يصح قول: أبرأ من الحول والقوة إلا إليه
سئل الشيخ ابن تيمية رحمه الله: عن قول الخطيب بن نباتة أبرأ من الحول والقوة إلا إليه؛ فأنكر بعض الناس عليه وقال ما يصح ذلك إلا بحذف الاستثناء بأن تقول أبرأ من الحول والقوة إليه فاستدل من نصر قول الخطيب بقوله تعالى: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ? إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (الزخرف 26 - 27) فهل أصاب المنكر أم لا؟.
فأجاب:
ما ذكر الخطيب صحيح باعتبار المعنى الذي قصده وما ذكره الآخر من حذف الاستثناء له معنى آخر صحيح؛ فإنه إذا قال برئت من الحول والقوة إليه كان المعنى برئت إليه من حولي وقوتي: أي من دعوى حولي وقوتي كما يقال: برئت إلى فلان من الدين ذكره ثعلب في فصيحه والمعنى برئت إليه من هذا ومنه قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ? قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ) (القصص 62 - 63 ) ) ، ومنه قول النبي صلى الله عليه
(1) (لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) ، رواه الحاكم عن عائشة. حكم الشيخ الألباني: حسن، انظر حديث رقم 7739 في صحيح الجامع.
(2) مجموع الفتاوى/ شيخ الاسلام ابن تيمية، 8/ 547 - 548.