وسلم (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ، [1] وقول الأنصاري يوم أحد: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء) ، يعني المشركين. [2]
وهذا الصنيع يتضمن نفي الدين: المعنى أوصلته إليه وفي غيره اعتذرت إليه أو ألقيت إليه وضمن معنى ألقيت إليه البراءة كما يقال: ألقى إليه القول (فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ? وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ) (النحل 86 - 87) ، ومنه قوله تعالى: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) (النساء 171) فالتبري قول يلقى إلى المخاطب فعلى هذا يكون الجار والمجرور متعلقا بالبراءة.
والخطيب لم يرد هذا المعنى بل أراد أنه بريء من أن يلجئ ظهره إلا إلى الله ويفوض أمره إلا إلى الله ويتوجه في أمره إلا إلى الله ويرغب في أمره إلا إلى الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب: (إذا أويت إلى مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك) ، [3] فمعنى قوله: وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه. أبرأ من أن أثبت لغيره حولا وقوة ألتجئ إليه لأجل ذلك والمعنى لا أتوكل إلا عليه ولا أعتمد إلا عليه.
وهنا معنى ثالث: وهو أن يقال: أبرأ من الحول والقوة إلا به أي أبرأ من أن أتبرأ وأعتقد وأدعي حولا أو قوة إلا به فإنه لا حول ولا قوة إلا به وهذا معنى صحيح لكن الخطيب قصد المعنى الأوسط الذي يدل لفظه عليه فإنه من له حول وقوة يلجأ إليه ويستند إليه فضمن معنى الحول والقوة معنى الالتجاء فصار التقدير أبرأ من الالتجاء إلا إليه وعلى هذا الحال فالجار والمجرور متعلق بمعنى الالتجاء الذي دل عليه لفظ الحول والقوة لا معنى أبرأ ولما ظن المنكر على الخطيب أن الجار والمجرور متعلق بلفظ أبرأ أنكر الاستثناء ولو أراد الخطيب هذا لكان حذف حرف الاستثناء هو الواجب لكن لم يرده بل أراد ما لا يصح إلا مع الاستثناء والاستثناء مفرغ فرغ ما قبل الاستثناء لما بعده والمفرغ يكون من غير الموجب لفظا أو معنى.
ولفظ (البراءة) وإن كان مثبتا ففيه معنى السلب فهو كقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ? إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) (المؤمنون 5 - 6) ، فالحفظ لفظ مثبت لكن تضمن معنى ما سوى المذكور فالتقدير لا يكشفونها إلا على أزواجهم وكذلك لفظ البراءة وقول الخليل: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ? إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي)
(1) روى ابن حبان في صحيحه 4729 - عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى جَذِيمةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا وَجَعَلَ خَالِدٌ يأخُذُهُمْ أَسْرًا وَقَتْلًا وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرًا حَتَّى كَانَ يَوْمًا قَالَ خَالِدٌ ليقتلْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَسِيرَهُ فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذُكِرَ لَهُ صنيعُ خَالِدٍ؟ فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) .
تعليق الشيخ الألباني: صحيح: ورواه البخاري 4339.
قلت: ورواه النسائي في السنن 5405.
(2) صحيح الترغيب والترهيب للشيخ الالباني/ 1358 - (صحيح)
وعن أنس رضي الله عنه قال غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون فقال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها دون أحد قال سعد فما استطعت يا رسول الله أصنع ما صنع. قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه فقال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) (الأحزاب 32) إلى آخر الآية. رواه البخاري واللفظ له ومسلم والنسائي.
(3) روى ابن حبان في صحيحه 5502 - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ ـ وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَوْصَى رَجُلًا ـ أَنْ يَقُولَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وفوَّضت أَمْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إليك، لا ملجأ ولا منجى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مَاتَ؛ مَاتَ عَلَى الفطرة) .
تعليق الشيخ الألباني: صحيح ـ الصحيحة:2889، ورواه الشيخان.