(الزخرف 26 - 27) استثناء تام ذكر فيه المستثنى منه لكنه يدل على أنه تبرأ من شيء لا من لا شيء والمطابق له أن يقال برئت من الحول والقوة إلى كل شيء إلا إليه. لكن المستدل بالآية أخذ قدرا مشتركا وهو التبري مما سوى الله وهذا المعنى الذي قصده المستدل بالآية معنى صحيح باعتبار دلالته على التوحيد وهو البراءة مما سوى الله وقد ذكر الله هذا المعنى في مواضع. كقوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة 4) ، وهذا يناسب مقصود الخطيب.
فإن مقصوده أن يتبرأ مما سوى الله ليس مقصوده أن يتبرأ إليه لكن الخطيب قصد البراءة من الالتجاء إلا إليه والالتجاء إليه داخل في عبادته فهو بعض ما دل عليه قول إبراهيم فإن الواجب أن يتبرءوا من أن يعبدوا إلا الله أو يتوكلوا إلا عليه وهذا تحقيق التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب لكن الإنسان قد يكون مقصوده إخلاص العبادة في مسألته ودعائه والتوكل عليه والالتجاء إليه؛ وهذا هو المعنى الذي قصده الخطيب وهو معنى صحيح يدل عليه لفظه بحقائق دلالات الألفاظ والمنكر قصد معنى صحيحا؛ والمستدل قصد معنى صحيحا لكن الإنسان لا ينوي كثيرا من نفي ما لا يعلم إلا من إثبات ما يعلم، والله سبحانه وتعالى أعلم. [1]
22/ اقوال لا تصح
· قول الإنسان: من سخرية القدر أو من سذاجه القدر، منكر من القول، بل كفر وضلال واستهزاء بقدر الله سبحانه وتعالى، أما قول بعض الناس: شاءت الأقدار أو: شاء القدر أو: شاءت إرادة الله أو: عناية الله، كلام لا يجوز، وفيه سوء تعبير، والصواب أن يقال: شاء الله سبحانه أو: شاء ربنا سبحانه، أو نحو ذلك من العبارات التي فيها إسناد المشيئة لله لا إلى صفاته. [2]
· قول شاء الحظ التعيس، لا يجوز أن يقول: شاء الحظ، ولا شاءت قدرة الله، ولا شاءت إرادة الله، يقول: شاء الله سبحانه، شاء الله كذا، شاء ربي كذا، شاء الرحمن كذا، ولا يقول: شاء الحظ، أو شاءت إرادة الله، أو شاءت الظروف، كل هذا لا يجوز. [3]
· سب الإنسان الحظ والبخت، لا يجوز سب الحظ، وكذا البخت لا يجوز سبه، فهذا قدر الله وما شاء فعل، يسأل ربه التوفيق والإعانة، وأن يسهل أموره، ويقضي حاجاته، ولا يسب حظه ولا بخته.
السب ممنوع، لا يسب الإنسان زمانه، ولا حظه وبخته ولا مكانه، ولكن يستغفر الله، ويسأل ربه التوفيق، ويتوب إلى الله من معاصيه وما أصابه فقد يكون بذنب، يجب عليه التوبة إلى الله منه مثل ما قال الله جل وعلا: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى 30) ، وقال سبحانه: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء 79) المقصود أن المؤمن والمؤمنة، عليهما أن يتوبا إلى الله دائما وأن يحاسبا أنفسهما، وأن يحذرا المعصية من سب أو غيره. [4]
· الدعاء بـ: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه:
فهذا الدعاء يجري كثيرًا على الألسنة، وهو دعاء لا ينبغي؛ لأنه شرع لنا أن نسأل الله ردَّ القضاء إذا كان فيه سوءٌ.
(1) مجموع الفتاوى/ شيخ الاسلام ابن تيمية، 8/ 551 - 554.
(2) من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى 1420 هـ) ، نشرت في نشرة رابطة العالم الإسلامي في 13 - 19 رجب عام 1419 هـ.
(3) فتاوى نور على الدرب لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى 1420 هـ) / جمعها الدكتور محمد بن سعد الشويعر، قدم لها: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، 4/ 253.
(4) نفس المصدر السابق 4/ 429.