الصفحة 154 من 163

ولقد أدهش جانب الرضا بالقضاء والقدر من حيث أثره البالغ في نفس المسلم واستقباله لصعوبات الحياة بعزيمة قوية وإرادة لا تجزع، أدهش هذا الركن من أركان الإيمان الكثير من غير المسلمين، وقد كتبوا في هذا الشأن معبرين عن دهشتهم ومن هؤلاء (ر. ن. س بودلي) الذي قال عن تجربته: (لقد تعلمت من عرب الصحراء التغلب على القلق فهم-بوصفهم- يؤمنون بالقضاء والقدر وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان وأخذ الحياة مأخذا سهلا هينا، فهم لا يلقون أنفسهم بين براثن الهم والقلق على أمر، إنهم يؤمنون بأن ما قدر يكون، وأنه لا يصيب الفرد منهم إلا ما كتب الله له، وليس معنى ذلك أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة، مكتوفي الأيدي ) ، وبعد أن استعرض (بودلي) تجربته مع عرب الصحراء علق بقوله: (وخلاصة القول إنني بعد انقضاء سبعة عشر عاما على مغادرتي الصحراء، ما زلت اتخذ موقف العرب حيال قضاء الله، فأقابل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء، والامتثال، والسكينة، ولقد أفلحت هذه الطباع التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير) .

وما أحسن ما قاله الحربي رحمه الله: (من لم يؤمن بالقدر لم يتهن بعيشه) .

وهذا صحيح فما تعاظمت المصائب في القلوب، وضاقت بها الأنفس وحرجت بها الصدور إلا من ضعف الإيمان.

30/ القدر من أكبر الدواعي التي تدعو إلى العمل والنشاط والسعي بما يرضي الله في هذه الحياة، والإيمان بالقدر من أقوى الحوافز للمؤمن لكي يعمل ويقدم على عظائم الأمور بثبات وعزم ويقين.

31/ومن ثمراته أن الداعي إلى الله يصدع بدعوته، ويجهر بها أمام الكافرين والظالمين، لا يخاف في الله لومة لائم، يبين للناس حقيقة الإيمان ويوضح لهم مقتضياته، وواجباتهم تجاه ربهم كما يبين لهم حقائق الكفر الشرك والنفاق ويحذرهم منها، ويكشف الباطل وزيفه، ودعاته وحماته، ويقول كلمة الحق أمام الظالمين، ويفضح ما هم فيه من كفر وظلم، وما يقومن به من إفساد وتضليل، يفعل المؤمن كل ذلك وهو راسخ الإيمان واثق بالله، متوكل عليه، صابر على كل ما يحصل له في سبيله.

32/ تحويل المحن إلى منح، والمصائب إلى أجر؛ كما قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (التغابن 11) .

ومعنى الآية الكريمة: من أصابته مصيبة، فعلم أنها من قدر الله، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله؛ هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدًى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف الله عليه ما كان أخذ منه أو خيرا منه، وهذا في نزول المصائب التي هي من قضاء الله وقدره، لا دخل للعبد في إيجادها إلا من ناحية أنه تسبب في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت