الصفحة 153 من 163

دون المعائب، بل إن إيمانه بالقدر يحتم عليه أن يسعى سعيًا حثيثًا لتغير هذا الواقع حسب قدرته واستطاعته وذلك وفق الضوابط الشرعية.

27/ الإيمان بالقدر على وجه الحقيقة يكشف للإنسان حكمة الله فيما يقدره من خير أو شر: فيعرف الإنسان بذلك أن وراء تفكيره، وتخيلاته من هو أعظم وأعلم، ولهذا كثيرًا ما يقع الشيء فنكرهه وهو خير لنا، فكم من الناس من يتبرم ويضيق صدره لفوات محبوب أو نزول مكروب، وما أن ينكشف الأمر ويستبين سر القدر إلا وتجده جذلًا مسرورًا؛ لأن العاقبة كانت حميدة بالنسبة له، وصدق تعالى إذ يقول: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة 216) .

28/ عزة النفس والقناعة والتحرر من رق المخلوقين:

فالمؤمن بالقدر يعلم أن رزقه مكتوب، وأنه لن يموت حتى يستوفي رزقه، ويدرك كذلك ان الله حسبه وكافيه ورازقه، وأن العباد مهما حاولوا إيصال الرزق له، أو منعه عنه فلن يستطيعوا إلا بشيء قد كتبه الله، فينبعث بذلك إلى القناعة وعزة النفس، والإجمال في اطلب، وترك التكالب على الدنيا، والتحرر من رق المخلوقين، وقطع الطمع مما في أيديهم، والتوجه بالقلب إلى رب العالمين، وهذا أساس فلاحه ورأس نجاحه.

29/ سكون القلب وطمأنينة النفس وراحة البال:

فلا يدرك هذه الأمور، ولا يجد حلاوتها ولا يعلم ثمراتها إلا من آمن بالله وقضائه وقدره، كما أنه وسيلة لمواجهة القلق النفسي فالمؤمن الحق إذا أصابته مصيبة مقدرة فعليه ألا يتحسر، بل عليه أن يقول: قدر الله وما شاء فعل، ولا عليه أن يتمنى حدوث عكس ما وقع، لأن ذلك يورث حسرة وحزنا لا يفيد، والتسليم للقدر هو الذي يشيع الأمن والاطمئنان ويقضي على مشاعر القلق والتوتر، وكما قال بعضهم الأمر أمران:

-أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه.

-أمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه.

وأن كل ما يعترض المؤمن من مشاق لا يقابلها بغير الرضا والتسليم، وذلك من منطلق قوله عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. [1]

والمؤمن يعلم إن ابتلاء الله له إنما هو دليل على حبه له، وامتحانه لإيمانه وصبره، فمن رضي بهذا الامتحان وصبر فله الرضا من الله، ومن سخط من هذا الابتلاء وجزع واستسلم للقلق واليأس فله السخط من الله، ومصداق ذلك من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) . [2]

(1) قلت: رواه الامام مسلم في صحيحه/2664 واللفظ له ورواه الامام احمد في المسند وابن حبان في صحيحه وابن ماجة.

(2) أخرجه الترمذي - أبواب الزهد -باب ما جاء في الصبر على البلاء (ح 2396) .

قلت الحديث رواه الترمذي وابن ماجة عن أنس، وحسنه الشيخ الالباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة/146 والحديث رواه الامام احمد في المسند عن محمود بن لبيد، وصححه الشيخ الالباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته الفتح الكبير (إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع)

وقال الشيخ الالباني في الصحيحة 1/ 276: (وهو أن البلاء إنما يكون خيرا، وأن صاحبه يكون محبوبا عند الله تعالى، إذا صبر على بلاء الله تعالى، ورضي بقضاء الله عز وجل. ويشهد لذلك الحديث الآتي:(عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن) .)

والحديث اخرجه الدارمي واحمد وقال الشيخ الالباني في الصحيحة /147: (وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وقد أخرج في صحيحه(8/ 227) من طريق سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت به المرفوع فقط نحوه. وهو رواية لأحمد (4/ 332، 333، 6/ 15 ) ) ?ھ

قلت: وفي السلسلة الصحيحة للشيخ الالباني،

الأحاديث:

143 -"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب (وفي رواية: قدر) دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة". رواه الترمذي (2/ 64) وابن ماجه (4023) والدارمي (2/ 320) والطحاوي (3/ 61) وابن حبان (699) والحاكم (1/ 40، 41) وأحمد (1/ 172، 174، 180، 185) والضياء في"المختارة" (1/ 349) .

144 -"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلي بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء". أخرجه ابن ماجه (4024) وابن سعد (2/ 208) والحاكم (4/ 307)

145 -"إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". رواه أحمد (6/ 369) والمحاملي في"الأمالي" (3/ 44 / 2)

148 -"عجبا للمؤمن لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيرا له". رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (5/ 24) وأبو الفضل التميمي في"نسخة أبي مسهر ..." (61/ 1) وأبو يعلى (200/ 2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت