الصفحة 152 من 163

تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان) [1]

ويمضي في طريقه متوكلا على الله، مع تصحيح خطئه، ومحاسبته لنفسه، وبهذا يقوم كيان المجتمع، وتنتظم مصالحه، وصدق الله حيث يقول: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق 3) .

21/ الشكر:

فالمؤمن بالقدر يعلم أن ما به من نعمة فمن الله وحده، وأن الله هو الدافع لكل مكروه ونقمه، فينبعث بسبب ذلك إلى الشكر لله، إذ هو المنعم المتفضل الذي قدر له ذلك، وهو المستحق للشكر، وهذا لا يعني ألا يشكر الناس.

قال عكرمة رحمه الله: (ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا، والحزن صبرًا) .

22/ الرضا:

فيرضى بالله سبحانه ربا مدبرا مشرعا، فتمتلئ نفسه بالرضا عن ربه سبحانه، فإذا رضي بالله عز وجل أرضاه الله سبحانه وتعالى.

23/الفرح:

فيفرح المؤمن بالقدر بذلك الإيمان الذي حرم منه أمم كثيرة، كما في قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس 58) ، وكما أنه آمن بالقدر فلا سبيل لمشاعر القلق والتوتر لكي تتسرب إلى نفسه وتصبحه هاجسه الملازم، ذلك أنه على يقين بأن الله سوف يختار له ما هو في صالحه، حتى وإن كان يبدو على النقيض تماما مما كان يأمله ويرجوه، واضعا نصب عينيه قوله سبحانه وتعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة 216) .

قال ابن القيم رحمه الله في تفسير هذه الآية: (في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة، لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها مالا يعلمه العبد، وأنفع للعبد من الامتثال لأوامر الله، وإن شق عليه ذلك في الابتداء، لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات، وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهي وإن هوته نفسه ومالت إليه، لأن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصاب) . [2]

ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة، إنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرته وهلاكه فيه، وهو لا يعلم فلا يختار على ربه شيء بل ويسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا شيء أنفع له من ذلك.

24/ الاستقامة على منهج سواء في السراء والضراء:

فالعباد فيهم قصور وضعف ونقص لا يستقيمون على منهج سواء إلا من آمن بالقدر، فإن النعمة لا تبطره، والمصيبة لا تقنطه.

25/عدم اليأس من انتصار الحق: فالمؤمن بالقدر يعلم علم اليقين أن العاقبة للمتقين، وأن قدر الله في ذلك نافذ لامحالة، فلا يدب اليأس إلى روعه، ولا يعرف إليه طريقا مهما احلولكت ظلمة الباطل.

26/ علو الهمة وكبر النفس:

فالمؤمن بالقدر تجده عالي الهمة كبير النفس لا يرضى بالدون، ولا بالواقع المر الأليم، ولا يستسلم له محتجًا بالقدر، إذ أن هذا ليس مجال الاحتجاج بالقدر، لأنه من المعائب، والاحتجاج بالقدر إنما يسوغ عند المصائب

(1) رواه الامام احمد في المسند والامام مسلم في صحيحه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة. وانظر صحيح الجامع / 6650 والتعليقات الحسان / 5691 و 5692، والسنة /356 ومختصر مسلم /1840 للشيخ الالباني.

(2) قلت: انظر غير مأمور: الفوائد / محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، 1393 هـ -1973 م، ص 136 - 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت