وكذاك يعلم ما يكون غدا وما ... قد كان والموجود في ذا الآن
وكذاك أمر لم يكن لو كان ... كيف يكون ذا إمكان
أي: أنه سبحانه وتعالى يعلم الأمور الماضية التي وقعت، والأمور المستقبلية التي لم تقع بعد، ويعلم الأمور التي لن تقع لو فرض أنها تقع كيف تقع، وهذا من كمال علمه بالغيب وعواقب الأمور، فالله عز وجل يعلم ما كان - كآدم والأنبياء -، ويعلم ما يكون - كالقيامة والحساب -، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون - كما يعلم لو أن فرعون آمن؛ كيف كان حال إيمانه، وماذا سيكون مآله -، وهذه الجزئية يدخل فيها ملايين التفاصيل، وكل ما جاء في القرآن بلفظ لو أو لولا فهو من هذا الباب قال تعالى: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الانعام 28) ، وقال سبحانه: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ) (الزخرف 33) ، وقال سبحانه: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) (الاسراء 74) ، وقال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (الانبياء 22) ، وقال سبحانه: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (الانفال 23) . [1]
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أولاد المشركين، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) [2] ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما منكم من نفس إلا وقد عُلم منزلها من الجنة والنار) . [3]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله قال صلى الله عليه وآله وسلم:
(ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه، كما تنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها) [4] ، قال: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الله أعلم بما كانوا عاملين) [5] . [6]
فإحاطة علمه سبحانه وتعالى بكل شيء، شامل للغيوب كلها، قال تعالى: (إِنَّ الله لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ) (آل عمران 5) ، فقد أحاط علمه سبحانه، بجميع الأزمان الحاضرة، والماضية، والمستقبلة، وأنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد كتب ذلك كله وقدره، وهو عليم به سبحانه، وأن وقوع الشيء وفق ما قضاه وقدره لا يزيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى علمًا بالشيء، فإنه يعلمه عَلَى صفته التي سيكون عليها قبل أن يكون.
(1) انظر غير مأمور: مجموعة الرسائل والمسائل / شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى 728 هـ) ، علق عليه السيد محمد رشيد رضا، لجنة التراث العربي، 4/ 7.
(2) متفق عليه، رواه الامام البخاري في صحيحه/1383 ورواه عن ابي هريرة/1384، وهو عند الامام مسلم في الصحيح من رواية ابي هريرة / 10 - باب أولاد المشركين / 6856 - (26 - 2659) .
(3) قلت: روى الامام احمد في المسند / 621 - عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ:"مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ"قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ قَالَ:"اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ": (أَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل 5 - 10) . وقال الشيخ الارناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(4) قلت: قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع/ 5784 - 1883 - (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) . (صحيح) ، رواه الشيخان وابو داود عن أبي هريرة. وانظر للشيخ الالباني مختصر مسلم/ 1803، وارواء الغليل/1220.
(5) قلت ورواه ابن حبان في صحيحه: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء؟) قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) . وصححه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان/133.
(6) انظر غير مأمور: معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول / الشيخ حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى 1377 هـ) ، تحقيق عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الأولى، 1410 هـ -1990 م، 3/ 920 - 924.