ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو يوصي من يخاصم القدرية بقوله: (حجوهم بالعلم؛ أي: اسألوهم: هل الله عز وجل علم بالأشياء قبل وقوعها؟ فإن أقروا خصموا، وإن نفوا العلم كفروا) . [1]
قال ابن خزيمة: (بَابُ ذِكْرِ إِثْبَاتِ الْعِلْمِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْوَحْيِ الْمُنَزِّلِ عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي يَقْرَأُ فِي الْمَحَارِيبِ وَالْكَتَاتِيبِ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مِنْ عِلْمِ الْعَامِّ، لَا بِنَقْلِ الْأَخْبَارِ الَّتِي هِيَ مِنْ نَقْلِ عِلْمِ الْخَاصِّ، ضِدَّ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، تَشَبُّهًا بِالْيَهُودِ، يُنْكِرُونَ أَنَّ لِلَّهَ عُلَمَاءَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالِمُ، وَيُنْكِرُونَ أَنَّ لِلَّهَ عِلْمًا مُضَافًا إِلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ:(لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) (النساء 166) ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) (هود 14) ، فَأَعْلَمَنَا اللَّهُ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِعِلْمِهِ، وَخَبَّرَنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ أُنْثَى لَا تَحْمِلُ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، فَأَضَافَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا إِلَى نَفْسِهِ الْعِلْمَ الَّذِي خَبَّرَنَا أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِعِلْمِهِ، وَأَنَّ أُنْثَى لَا تَحْمِلُ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ فَكَفَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ وَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ لِخَالِقِنَا عِلْمًا مُضَافًا إِلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الطَّاعِنُونَ فِي عِلْمِ اللَّهِ عُلُوًّ كَبِيرًا، فَيُقَالُ لَهُمْ: خَبِّرُونَا عَمَّنْ هُوَ عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، أَلَهُ عِلْمٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى وَأَخْفَى، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، قِيلَ لَهُ: فَمَنْ هُوَ عَالِمٌ بِالسِّرِّ وَالنَّجْوَى وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، أَلَهُ عِلْمٌ أَمْ لَا عِلْمَ لَهُ؟ فَلَا جَوَابَ لَهُمْ لِهَذَا السُّؤَالِ إِلَّا الْهَرَبَ: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة 258 ) ) . [2]
بيان مراتب العلم
مراتب العلم [3] هي:
(1 - علمه بالشيء قبل كونه؛ وهو علم التقدير، وما سيقع بقدرة القدير، وهو سر الله في خلقة، فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو المراد بقولهم:(عالم بما سيكون) وهو المقصود بالمرتبة الأولى من مراتب القدر، وهو علم مفاتح الغيب وتقدير الأمور. كما قال تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَليمٌ خَبِيرٌ) (لقمان 34) .
2 -علمه بالشيء وهو في اللوح بعد كتابته وقبل إنفاذ مشيئته، وهو قولهم (عالم بما لم يكن لو كان كيف يكون) . فالله عز وجل كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم. قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْل أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ، لكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُل مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد 2) .
(1) ولله الأسماء الحسنى/ فضيلة الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل، موقع فضيلة الشيخ / عبد العزيز بن ناصر الجليل
قلت: وروي عن الامام الشافعي: حاجوهم بالعلم. كما جاء في شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة/ محمد حسن عبد الغفار، مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، الدرس 6.
(2) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل/ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري (المتوفى 311 هـ) ، تحقيق عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، مكتبة الرشد -السعودية - الرياض، الطبعة الخامسة، 1414 هـ -1994 م، 1/ 22 - 23.
(3) هذه المراتب يتعلق بها العلم الإلهي ويتضمنها اسمه العليم بخلاف مراتب العلم به سبحانه التي ذكرها ابن القيم وحصرها في خمس مراتب: الْعِلْمُ بِذَاتِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَأَسْمَائِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ.
انظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين/ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي -بيروت، الطبعة الثالثة، 1416 هـ -1996 م، 1/ 128.