ويثبت أهل السنة لله تعالى؛ (إرادة) كونية وهي التقدير الأزلي، و (إرادة) شرعية وهي المراد من العباد شرعًا، فالأولى تنفذ ولو كانت غير مرضية من الله والثانية مرضية من الله وإن كانت غير نافذة، والعباد مسؤولون عن مقتضى الإرادة الشرعية.
إن الإرادة المضافة لله عز وجل في نصوص الشرع (الكتاب والسنة) نوعان:
الأولى: قدرية كونية خلقية (أو كونية قدرية) : أي شاملة لجميع المخلوقات، وهي تعني إرادة إيجاد الشيء وخلقه، وهذا النوع من الإرادة لابد من وقوعه فإنه لا يتخلف إلا أنه لا يتعلق بالمحبة والرضا فقد يكون مما يحب الله عز وجل مثل طاعة المؤمنين وعباداتهم التي أراد الله وقوعها منهم، وقد تكون الإرادة مما لا يحب الله عز وجل مثل كفر الكافرين ومعصية العصاة الواقعة منهم، فإنها لم تقع منهم إلا بعد إرادة الله وقوعها، لكن الله عز وجل لا يحبها بل يبغضها ويكرهها، وإن كانت واقعة بإرادته الكونية القدرية.
ومن الأدلة على الإرادة الكونية القدرية قول الله تعالى: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس 82) ، وقال سبحانه: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) (الأنعام 125) .
وقال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة 235)
وقال تعالى: (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) (هود 34)
فهذه الآيات وردت فيها الإرادة المضافة إلى الله عز وجل ومنها ما يحبه الله عز وجل مثل الهداية بشرح الصدور، ومنها ما لا يحبه مثل الضلال والقتل والغواية. ولكن الجميع واقع بإرادته جل وعلا التي هي بمعنى المشيئة قال تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) (الزمر 7) .
والثانية: إرادة أمرية طلبية شرعية (أو دينية شرعية) : وهي مستلزمة للمحبة والرضا (تتعلق بالطاعات المأمور بها) ، سواء وجدت أو لم توجد، وذلك مثل محبة الله عز وجل طاعة العباد وإيمانهم وهدايتهم.
ومن الأدلة الدالة على ذلك قوله عز وجل: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة 185) ، وقوله سبحانه: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ويَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (النساء 26) .
وقوله عز وجل: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) (المائدة 6)
وقوله عز وجل: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (النساء 27)
فالإرادة في هذه الآيات تسمى الإرادة الدينية الشرعية المستلزمة للمحبة والرضا، ولكنها قد تقع إذا تعلق بها النوع الآخر من الإرادة وهي الإرادة الكونية القدرية، وقد لا تقع إذا لم يتعلق بإيجادها إرادته الكونية القدرية.
ويفيدنا ذلك معرفة أن جميع الطاعات يريدها الله دينًا وشرعًا ويحبها ويرضاها، أما المعاصي فإنه لا يريدها دينًا ولا شرعًا، وأنه جل وعلا يبغضها ويكرهها، وأنه قد يريد وجودها كونًا وقدرًا فتوجد من عباده وهو في نفس الوقت يبغضها ويكرهها وقد توعدهم بالعقوبة عليها.
(فالأولى: بمعنى المشيئة، وهي عامة لكل ما وجد فيقال في الطاعات: إن الله أرادها وقدر وجودها، وأحبها فوجدت. وفي المعاصي: إن الله أرادها كونا وقدرا وخلقها فوجدت، مع أنه نهى عنها ولم يحبها.
وأما الثانية: فهي بمعنى محبة المراد، والرضا به، ولا يلزم منها وجود المراد، فإيمان المؤمنين، وأعمالهم التي قد عملوها، تعلقت بها الإرادتان، حيث إن الله شاءها وخلقها فوجدت، وأحبها ورضيها فمدح أهلها؛ وإيمان الكافر لم يوجد مع أن الله قد أحب منه الإيمان، وأمره به شرعا، ولكنه ما أراده قدرا، ولا خلقه فيه، ولا أعانه، فلم يتعلق به إلا الإرادة الدينية الشرعية). [1]
قال الشيخ العثيمين:
1/ إرادة كونية: وهذه الإرادة مرادفة تمامًا للمشيئة، فـ (أراد) فيها بمعنى (شاء) ، وهذه الإرادة:
(1) التعليقات على متن لمعة الاعتقاد/ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن إبراهيم بن فهد بن حمد بن جبرين (المتوفى 1430 هـ) ، اعتنى به: أبو أنس علي بن حسين أبو لوز، دار الصميعي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1416 هـ - 1995 م، ص 118.