الصفحة 76 من 163

أولًا: تتعلق فيما يحبه الله وفيما لا يحبه. وعلى هذان فإذا قال قائل: هل أراد الله الكفر؟ فقل: بالإرادة الكونية نعم أراده، ولو لم يرده الله عز وجل، ما وقع.

ثانيًا: يلزم فيها وقوع المراد، يعني: أن ما أراده الله فلا بد أن يقع، ولا يمكن أن يتخلف.

2/ إرادة شرعية: وهي مرادفة للمحبة، فـ (أراد) فيها بمعنى (أحب) ، فهي:

أولًا: تختص بما يحبه الله، فلا يريد الله الكفر بالإرادة الشرعية ولا الفسق.

ثانيًا: أنه لا يلزم فيها وقوع المراد، بمعنى: أن الله يريد شيئًا ولا يقع، فهو سبحانه يريد من الخلق أن يعبدوه، ولا يلزم وقوع هذا المراد، قد يعبدونه وقد لا يعبدونه، بخلاف الإرادة الكونية.

فصار الفرق بين الإرادتين من وجهين:

1 -الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم.

2 -الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكونية عامة فيما يحبه وما لا يحبه.

فإذا قال قائل: كيف يريد الله تعالى كونًا ما لا يحبه، بمعنى: كيف يريد الكفر أو الفسق أو العصيان وهو لا يحبه؟!

فالجواب: أن هذا محبوب إلى الله من وجه مكروه إليه من وجه آخر، فهو محبوب إليه لما يتضمنه من المصالح العظيمة، مكروه إليه لأنه معصية.

ولا مانع من أن يكون الشيء محبوبًا مكروها باعتبارين، فها هو الرجل يقدم طفله الذي هو فلذة كبده وثمرة فؤاده، يقدمه إلى الطبيب ليشق جلده ويخرج المادة المؤذية فيه، ولو أتى أحد من الناس يريد أن يشقه بظفره وليس بالمشرط لقاتله، لكن هو يذهب إلى الطبيب ليشقه وهو ينظر إليه، وهو فرح مسرور، يذهب به إلى الطبيب ليحمي الحديد على النار حتى تلتهب حمراء، ثم يأخذها ويكوي بها ابنه، وهو راض بذلك، لماذا يرضى بذلك وهو ألم للابن؟ لأنه مراد لغيره للمصلحة العظيمة التي تترتب على ذلك.

ونستفيد بمعرفتنا للإرادة من الناحية المسلكية أمرين:

الأمر الأول: أن نعلق رجاءنا وخوفنا وجميع أحوالنا وأعمالنا بالله، لأن كل شيء بإرادته وهذا يحقق لنا التوكل.

الأمر الثاني: أن نفعل ما يريده الله شرعًا، فإذا علمت أنه مراد لله شرعًا ومحبوب إليه، فإن ذلك يقوي عزمنا على فعله.

هذا من فوائد معرفتنا بالإرادة من الناحية المسلكية، فالأول باعتبار الإرادة الكونية، والثاني: باعتبار الإرادة الشرعية. [1]

الفرق بين الارادة الكونية والارادة الشرعية

ويمكن حصر الفروق بين الإرادة الكونية وما يتعلق بها من الأمر والحكمة، وبين الإرادة الشرعية وما يتعلق بها من الأمر والحكمة فيما يلي:

1/ الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها، وقد لا يحبها ولا يرضاها.

أما الشرعية فيحبها الله ويرضاها؛ فالكونية مرادفة للمشيئة، والشرعية مرادفة للمحبة.

2/ الإرادة الكونية قد تكون مقصودة لغيرها كخلق إبليس مثلًا، وسائر الشرور؛ لتحصل بسببها محابّ كثيرة، كالتوبة، والمجاهدة، والاستغفار.

أما الشرعية فمقصودة لذاتها؛ فالله أراد الطاعة وأحبها، وشرعها، ورضيها لذاتها.

3/ الإرادة الكونية لابد من وقوعها؛ فالله إذا شاء شيئًا وقع ولابد، كإحياء أحد أو إماتته، أو غير ذلك.

(1) شرح العقيدة الواسطية/ الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى 1421 هـ) ، تحقيق سعد فواز الصميل، دار ابن الجوزي، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الخامسة، 1419 هـ، ص 222 - 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت