أما الشرعية كالإسلام - مثلًا - فلا يلزم وقوعها، فقد تقع وقد لا تقع، ولو كان لابد من وقوعها لأصبح الناس كلهم مسلمين.
4/ الإرادة الكونية متعلقة بربوبية الله وخلقه، أما الشرعية فمتعلقة بألوهيته وشرعه. [1]
5/ الإرادتان تجتمعان في حق المطيع، فالذي أدى الصلاة - مثلًا - جمع بينهما؛ وذلك لأن الصلاة محبوبة لله، وقد أمر بها، ورضيها، وأحبها، فهي شرعية من هذا الوجه، وكونها وقعت دلَّ على أنَّ الله أرادها كونًا؛ فهي كونية من هذا الوجه؛ فمن هنا اجتمعت الإرادتان في حق المطيع.
وتنفرد الكونية في مثل كفر الكافر، ومعصية العاصي، فكونها وقعت فهذا يدلُّ على أن الله شاءها؛ لأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته، وكونها غير محبوبة ولا مرضية لله دليل على أنها كونية لا شرعية.
وتنفرد الشرعية في مثل إيمان الكافر، وطاعة العاصي، فكونها محبوبة لله فهي شرعية، وكونها لم تقع - مع أمر الله بها ومحبته لها - هذا دليل على أنها شرعية فحسب؛ إذ هي مرادة محبوبة لم تقع.
6/ الإرادة الكونية أعمّ من جهة تعلّقها بما لا يحبه الله ولا يرضاه، من الكفر والمعاصي، وأخص من جهة أنها لا تتعلق بمثل إيمان الكافر، وطاعة الفاسق.
والإرادة الشرعية أعم من جهة تعلقها بكل مأمور به، واقعًا كان أو غير واقع، وأخص من جهة أن الواقع بالإرادة الكونية قد يكون غير مأمور به.
هذه فوارق بين الإرادتين، [2] فمن عرف الفرق بينهما سلم من شُبهات كثيرة، زلَّت بها أقدام، وضلَّت بها أفهام، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيرًا، ومن نظر إلى الشرع دون القدر أو العكس كان أعور. ?ھ [3]
نماذج لأمور شرعية وكونية
(كما أن الإرادة منها ما هو كوني قدري، ومنها ما هو شرعي ديني، فكذلك الكتابة، والأمر، والإذن، والجعل، والكلمات، والبعث، والإرسال، والتحريم، والإيتاء، والكره، ونحوها، كل هذه الأمور منها ما هو شرعي ومنه ما هو كوني.
فمن أمثلة الكتابة الكونية قوله تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (المجادلة 21) ، ومن أمثلة الكتابة الشرعية قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ) (البقرة 183) .
والأمر الكوني قوله: (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (القمر 50) ، والشرعي قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل 90) .
والإذن الكوني قوله: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة 102) ، والشرعي قوله: (آاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس 59) ، وقوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (الشورى 21) .
والجعل الكوني قوله: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام 125) ، والشرعي: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ) (المائدة 103) ، أما قوله: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) (المائدة 97) ، فهذا يتناول الأمرين، فإن الله جعلها كذلك بقدره وبشرعه.
وكذلك الكلمات منها ما هو كوني كقوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (يونس 33) ، ومنها الشرعي كقوله: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) (التوبة 6) ، واجتمع النوعان في قوله تعالى: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا) (التحريم 12) .
(1) قلت: أو بمعنى آخر؛ الإرادة الكونية متعلقة بالخلق والإيجاد، والشرعية بالشرع والتكليف.
والإرادة الكونية مرتبطة بالقدرة، والإرادة الشرعية مرتبطة بالحكمة.
(2) قلت: أضف لما تقدم، أن الارادة الكونية متوجهة إلى جميع المخلوقات، أما الارادة الشرعية فهي متوجهة إلى المكلفين.
(3) القصيدة التائية في القدر لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية / دراسة وتحقيق وشرح الباحث محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد. وانظر له -الايمان بالقضاء والقدر - ص 98 - 99.