وكذلك البعث منه الكوني كقوله: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا) (الإسراء 5) ، والشرعي كقوله: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) (البقرة 213) ، وقوله: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ) (الجمعة 2) .
وكذلك الإرسال منه الكوني كقوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) (الأعراف 57) ، ومنه الديني كقوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى) (الصف 9) .
والتحريم الكوني كقوله: (وحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ) (القصص 12) ، والشرعي: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) (المائدة 96) .
والإيتاء الكوني كقوله: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) (البقرة 247) ، والديني كقوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) (البقرة: 93) ، وقوله: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) (البقرة 269) ، يشمل النوعين؛ فإنه يؤتيهما أمرًا ودينًا وتوفيقًا وإلهامًا.
والكره كذلك منه ما هو كوني كما في قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ) (التوبة 46) ، ومنه ما هو شرعي كما في قوله تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) (الإسراء 38) .
والفروق بين هذه الأمور من جهة أن منها ما هو شرعي ديني، ومنها ما هو كوني قدري، كالفروق بين الإرادتين الكونية القدرية، والشرعية الدينية [1] . [2]
في انقسام القضاء والحكم والإرادة والكتابة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والانشاء إلى كوني متعلق بخلقه وإلى ديني متعلق بأمره وما يحقق ذلك من إزالة اللبس والإشكال.
سئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:
(عن تفصيل الإرادة والإذن والكتاب والحكم والقضاء والتحريم وغير ذلك؛ مما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه وأمره الشرعي؛ وما هو كوني موافق لمشيئته الكونية
فأجاب: الحمد لله، هذه الأمور المذكورة وهي الإرادة والإذن والكتاب والحكم والقضاء والتحريم وغيرها كالأمر والبعث والإرسال ينقسم في كتاب الله إلى نوعين:
أحدهما: ما يتعلق بالأمور الدينية التي يحبها الله تعالى ويرضاها ويثيب أصحابها ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وينصر بها العباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.
والثاني: ما يتعلق بالحوادث الكونية التي قدرها الله وقضاها مما يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وأهل الجنة وأهل النار، وأولياء الله وأعداؤه، وأهل طاعته الذين يحبهم ويحبونه ويصلي عليهم هو وملائكته، وأهل معصيته الذين يبغضهم ويمقتهم ويلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
فمن نظر إليها من هذا الوجه شهد الحقيقة الكونية الوجودية فرأى الأشياء كلها مخلوقة لله مدبرة بمشيئته مقهورة بحكمته فما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاء الناس، لا معقب لحكمه ولا راد لأمره ورأى أنه سبحانه رب كل شيء ومليكه له الخلق والأمر: وكل ما سواه مربوب له مدبر مقهور لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بل هو عبد فقير إلى الله تعالى من جميع الجهات، والله غني عنه كما أنه الغني عن جميع المخلوقات). [3]
وقال العلامة ابن القيم الجوزية: (فما كان من كوني فهو متعلق بربوبيته وخلقه وما كان من الديني فهو متعلق بإلهيته وشرعه وهو كما أخبر عن نفسه سبحانه له الخلق والأمر فالخلق قضاؤه وقدره وفعله والأمر شرعه
(1) انظر غير مأمور، شفاء العليل لابن القيم الجوزية، ص 558 - 567.
(2) القصيدة التائية في القدر لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية / دراسة، وتحقيق، وشرح الباحث محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد. وانظر له -الايمان بالقضاء والقدر - ص 100 - 101.
(3) مجموع الفتاوى / تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية،1416 هـ/1995 م، 8/ 58 - 59.