ودينه فهو الذي خلق وشرع وأمر وأحكامه جارية على خلقه قدرا وشرعا ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري وأما حكمه الديني الشرعي فيعصيه الفجار والفساق والأمران غير متلازمين فقد يقضي ويقدر ما لا يأمر به ولا شرعه وقد يشرع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عبادة وإيمانهم وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي في ما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي.
إذا عرف ذلك:
فالقضاء في كتاب الله نوعان كوني قدري كقوله: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) (سبأ 14) ، وقوله: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) (الزمر 69 و 75) وشرعي ديني كقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (الإسراء 23) أي أمر وشرع ولو كان قضاء كونيا لما عبد غير الله.
والحكم أيضا نوعان فالكوني كقوله: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ) (الأنبياء 112) أي افعل ما تنصر به عبادك وتخذل به أعداءك والديني كقوله: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) (الممتحنة 10) ، وقوله: (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (المائدة 1) وقد يرد بالمعنيين معا كقوله: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) (الكهف 26) ، فهذا يتناول حكمه الكوني وحكمه الشرعي.
والإرادة أيضا نوعان فالكونية كقوله تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج 16) ، وقوله: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً) (الإسراء 16) ، وقوله: (إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) (هود 34) ، وقوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) (القصص 5) ، والدينية كقوله: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة 185) ، وقوله: (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (النساء 27) ، فلو كانت هذه الإرادة كونية لما حصل العسر لأحد منا ولو وقعت التوبة من جميع المكلفين وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر والإرادة هل هما متلازمان أم لا؟)، (والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعا ودينا وقد يأمر بما لا يريده كونا وقدرا كإيمان من أمره ولم يوفقه للإيمان مراد له دينا لا كونا وكذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرده كونا وقدرا وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كونا وقدرا وبين هذين الأمرين وأمر من لم يؤمن بالإيمان فرق فإنه سبحانه لم يحب من إبراهيم ذبح ولده وإنما أحب منه عزمه على الامتثال وأن يوطن نفسه عليه وكذلك أمره محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة وأما أمر من علم أنه لا يؤمن بالإيمان فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره ووفقه له وخذل بعضهم فلم يعنه ولم يوفقه فلم تحصل مصلحة الأمر منهم وحصلت من الأمر بالذبح.
وأما الكتابة فالكونية كقوله: (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (المجادلة 21) ، وقوله: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء 105) ، وقوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (الحج 4) ، والشرعية الأمرية كقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) (البقرة 183) ، وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) الى قوله تعالى: (كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ) (النساء 23 - 24) ، وقوله: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (المائدة 45) فالأولى كتابة بمعنى القدر والثانية كتابة بمعنى الأمر.
والأمر الكوني كقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس 82) ، وقوله: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (القمر 50) ، وقوله: (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) (النساء 47) ، وقوله: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) (مريم 21) ، وقوله: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) (الإسراء 16) ، فهذا أمر تقدير كوني لا أمر ديني شرعي فإن الله لا يأمر بالفحشاء، والمعنى قضينا ذلك وقدرناه وقالت طائفة بل هو أمر ديني والمعنى أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا والقول الأول أرجح)، (ومن الديني قوله:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل 90) ، وقوله: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء 58) ، وهو كثير.
وأما الإذن الكوني فكقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (البقرة 102) أي بمشيئته وقدره وأما الديني فكقوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) (الحشر 5)