الصفحة 81 من 163

ينفعكم وقوفكم مع المراد الكوني ولا يكون ذلكم عذرا لكم عنده إذ لو عذر بذلك لم يذم أحدا من خلقه ولم يعاقبه ولم يكن في خلقه عاص ولا كافر ومن زعم ذلك فقد كفر بالله وكتبه كلها وجميع رسله وبالله التوفيق). [1]

قوله سبحانه وتعالى: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ? فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)

قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى:(الفعال لما يريد هذا من كمال قوته، ونفوذ مشيئته، وقدرته، أن كل أمر يريده يفعله بلا ممانع، ولا معارض. وليس له ظهير، ولا عوين على أي أمر يكون، بل إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.

ومع أنه الفعال لما يريد فإرادته تابعة لحكمته، وحمده، فهو موصوف بكمال القدرة، ونفوذ المشيئة، وموصوف بشمول الحكمة لكل ما فعله ويفعله. وليس أحد فعال لما يريد إلا الله). [2]

الإرادة الكونية (المشيئة) متعلقة بربوبية الله تعالى وخلقه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وما شاءهُ سبحانه فهو قادر عليه، فإذا شاء شيئًا حصل مرادًا له - وهو مقدور عليه - فيلزم وجوده.

وما لم يشأ لم يكن، فإنه لم يرده - وإن كان قادرًا عليه - لم يحصل المقتضى التام لوجوده فلا يجوز وجوده.

ويستدل أهل السنة على هذا بقوله سبحانه وتعالى: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ? فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (البروج 15 و 16) ، وأن هذه الآية تدل على أمور:

1 -أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته.

2 -أنه لم يزل كذلك، فقد ساق الله ذلك في معرض الثناء، وعدم فعله لما يريد في وقت من الأوقات نقص من ذلك الكمال وقد قال عزّ وجل: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (النحل 17) .

3 -أنه إذا أراد أي شيء فإنه يفعله؛ لأن (ما) موصولة عامة أي: يفعل كل ما يريد أن يفعله.

4 -أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعله فعله، وما فعله فقد أراده، بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل، وقد يفعل ما لا يريد، فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده.

5 -إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال، وأن كل فعل له إرادة تخصه، فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام، ويفعل ما يريد.

6 -أن كل ما صح أن تتعلق به إرادته، جاز أن يفعله، فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، وأن يري عباده المؤمنين نفسه لم يمتنع عليه فعله فهو الفعال لما يريد، وإنما تتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق به. [3]

إشكال، وتوضيح

هناك إشكالًا طرحه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله بطريقة سؤال وجواب، ولأهميته أسوقه كما أورده:

قال رحمه الله عند تفسير قول الله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود 118) : (وهنا يرد إشكال يسأل عنه طالب العلم؛ وهو: ما المانع من جعل الناس أمة واحدة؛ إما مهتدين على دين واحد، وإما كفارا كلهم؟ وما الحكمة في جعلهم مختلفين؟

والجواب: أنّ ربّ السماوات والأرض غنيّ غنى مطلقا بذاته، خلق الخلق لتظهر فيهم أسرار أسمائه وصفاته، وعلامات ملكه وسلطنته وقهره. ومن صفاته تعالى ما يدلّ على الرحمة والرأفة والشفقة، ومنها ما يدلّ على

(1) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل/ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1398 هـ/1978 م، ص 280 - 283 باختصار.

(2) تفسير أسماء الله الحسنى/ الشيخ أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى 1376 هـ) ، تحقيق عبيد بن علي العبيد، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة العدد 112 - السنة 33 - 1421 هـ، ص 222.

(3) دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية - عرض ونقد / الدكتور عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن - دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1424 هـ. ص 230 - 231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت