الصفحة 82 من 163

العزة والقهر والجبروت والغلبة؛ فلو جعل الناس كلهم مهتدين لما ظهر للخلق كمال الإنصاف والعدل، ولما ظهر للناس شدة قهره وجبروته.

ولو جعلهم كلهم كفارا لما ظهر للناس آثار رحمته ورأفته وعطفه وجوده وإحسانه.

ولهذا هدى الله تعالى قوما وطبعهم على الطيب من الأعمال، وصرف نياتهم إلى ما سبق به الأزل لهم من الخير؛ لتظهر فيهم آثار أسمائه الدالة على الرحمة وغيرها من صفات الإحسان والجود والكرم.

وخلق آخرين وطبعهم على الخبث، وصرف نياتهم إلى ما كتب لهم في الأزل وفي سابق علمه من الشقاء؛ لتظهر فيهم آثار قدرته، وشدة بطشه، وكمال عدله وإنصافه. [1]

ولابن أبي العزّ الحنفي رحمه الله كلام قريب من هذا الكلام بين فيه الإمام ابن أبي العز رحمه الله بعض الحكم من خلق الخير والشرّ والمتضادات؛ فقال: ومنها ظهور آثار أسمائه القهرية؛ مثل القهار، والمنتقم، والعدل، والضارّ، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذلّ. [2]

فإنّ هذه الأسماء والأفعال كمال لابدّ من وجود متعلقها.

ولو كان الجنّ والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء. ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وسترة وتجاوزه عن حقه، وعتقه لمن شاء من عبيده. فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم) ، [3] ومنه ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة؛ فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك [4] . [5]

سؤال: هل مشيئة الله في الماضي والمستقبل، أم في المستقبل لا في الماضي. وما الصواب؟

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن أقوام يقولون: المشيئة مشيئة الله في الماضي والمستقبل، وأقوام يقولون: المشيئة في المستقبل لا في الماضي. ما الصواب؟

فأجاب:

الماضي مضى بمشيئة الله والمستقبل لا يكون إلا أن يشاء الله. فمن قال في الماضي: إن الله خلق السماوات إن شاء الله وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إن شاء الله فقد أخطأ. ومن قال: خلق الله السماوات بمشيئة الله وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بمشيئته ونحو ذلك فقد أصاب. ومن قال: إنه يكون في الوجود شيء بدون مشيئة الله فقد أخطأ. ومن قال: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فقد أصاب وكلما تقدم فقد كان بمشيئة الله قطعا؛ فالله خلق السماوات بمشيئته قطعا وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بمشيئته قطعا والإنسان الموجود خلقه الله بمشيئته قطعا وإن شاء الله أن يغير المخلوق من حال إلى حال فهو قادر على ذلك فما خلقه فقد كان بمشيئته قطعا وإن شاء الله أن يغيره غيره بمشيئته قطعا. والله أعلم. [6]

(1) معارج الصعود ص 294 - 295. قلت: كذا في الاصل.

(2) قلت: المنتقم، من الأسماء المقيدة ولا يصح اطلاقه والصواب (المنتقم من المجرمين) . أما العدل، والضارّ، والخافض، والمذلّ: فلم يصح الخبر في ورودها، فهي ليست من الأسماء الحسنى المطلقة أو المقيدة والله اعلم.

(3) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 2106. قت: كذا في الاصل، ولفظ مسلم في صحيحه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، ولجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) .

(4) شرح العقيدة الطحاوية ص 281 - 282. وانظر: مدارج السالكين 1/ 408 - 409، وشفاء العليل ص 202 - 203، ولوامع الأنوار البهية 1/ 340.

قلت: كذا في الأصل.

(5) جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف/ عبد العزيز ين صالح بن إبراهيم الطويان، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1419 هـ/1999 م، 3/ 563 - 564.

(6) مجموع الفتاوى/ شيخ الاسلام ابن تيمية، 8/ 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت