الصفحة 84 من 163

أفعال العباد مخلوقة لله تبارك وتعالى

(ويقولون إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله عز وجل، وأن أكساب العباد كلها مخلوقة لله، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عز وجل، ولا عذر، كما قاله الله عز وجل:(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (الأنعام 149) وقال: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ? فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) (الأعراف 29 - 30) وقال: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (الأعراف 179) وقال: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (الحديد 22) ومعنى"نبرأها"أي نخلقها وبلا خلاف في اللغة، وقال مخبرًا عن أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) (الأعراف 43) وقال: (أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) (الرعد 31) وقال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ? إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) (هود 118 - 119 ) ) . [1]

قال شيخ الاسلام ابن تيمية في الواسطية: (والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو: المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم. وللعباد قدرة على أعمالهم، وإرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم. كَمَا قَالَ تَعَالَى:(لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ? وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير 28 - 29) . [2]

(بيان هذا أن جمهور أهل السنة والجماعة على أن أفعال الإنسان الاختيارية مستندة إليه، وأنه فاعل لها، ومحدث لها، والعبد فاعل لفعله حقيقة لا مجازًا، هذا قول السلف والأئمة. وهو الحق الذي دل عليه المنقول والمعقول، فإن الله، ورسوله وصف العبد بأنه يعمل، ويفعل، وقد جاءت النصوص بإثبات فعله في عامة آيات القرآن:(يعملون) ، (يفعلون) ، (يؤمنون) ، (يكفرون) ، (يتفكرون) ، (يحافظون) ، (يتقون) ، ولم يكن من السلف والأئمة من يقول: إن العبد ليس بفاعل، ولا مختار، ولا مريد، ولا قادر، ولا قال أحد منهم: إنه فاعل مجازًا، بل من تكلم منهم بلفظ الحقيقة، والمجاز متفقون على أن العبد فاعل حقيقة.

ومما اتفق عليه سلف الأمة، وأئمتها أن العباد لهم مشيئة، وقدرة يفعلون بمشيئتهم، وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه، كما قال الله تعالى: (كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ? فَمَن شَاء ذَكَرَهُ ? وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ) (المدثر 54 - 56) ، وقال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) (المزمل 19) ، (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الإنسان 30) .

ومما اتفق عليه سلف الأمة، وأئمتها أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد، فالعبد مخلوق لله تعالى، والله تعالى خالق ذاته، وصفاته، وأفعاله. والقرآن مملوء بما يدل على أن أفعال العباد حادثة بمشيئته وقدرته، وخلقه، فإن في القرآن من ذكر تفصيل أفعال العباد التي بقلوبهم، وجوارحهم، وأنه هو تبارك وتعالى يحدث من ذلك ما يطول وصفه كقوله تعالى: (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ) (الأعراف 30) .

كما قال تعالى: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ? وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير 28 - 29) .

وبيان ذلك أن الله تعالى قال: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) (التكوير 28) فأثبت للعبد مشيئة وفعلًا، ثم قال: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير 29) فبين أن مشيئة العبد متعلقة بمشيئة الله.

وهذا صريح قول أهل السنة في إثبات مشيئة العبد، وأنها لا تكون إلا بمشيئة الرب، وأن العبد له قدرة، وإرادة، وفعل، وهو فاعل حقيقة، والله خالق ذلك كله كما هو خالق كل شيء). [3]

وخلاصة القول أن:

(1) اعتقاد أئمة الحديث/ أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس بن مرداس الإسماعيلي الجرجاني (المتوفى 371 هـ) ، تحقيق محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار العاصمة - الرياض، ص 60 - 61.

(2) العقيدة الواسطية اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة / شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى 728 هـ) تحقيق أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، أضواء السلف - الرياض، الطبعة الثانية 1420 هـ / 1999 م. ص 108

(3) شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية / جمعه ورتبه الشيخ خالد بن عبد الله المصلح، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية - الرياض، جدة، الاحساء، الطبعة الاولى، رجب 1421ھ، ص 161 - 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت