والنظر: الفكر في حال الشيء المنظور فيه، كما إذا نظرت (إلى نفسك) أي ذاتك التي هي أقرب الأشياء إليك، فتجدها جِرمًا (1) تلازمُه أعراض حادثة لا تنفك عنها، فتعلم على الضرورة أنك لم تكن شيئا، ثم وُجِدت وصِرت شيئا، فتعلم أن لك مُوجدًا أوجدك؛ لاستحالة أن توجد نفسك؛ لإحساسك بالعجز من نفسك، فيتعين أن يكون لك موجد واجب لذاته قادر أوجدك بقدرته؛ لاستحالة وجود الشيء من غير مُوجِدٍ؛ لِما يلزم عليه من ترجيح أحد المتساويين على مساويه بلا مرجح، وهو محال.
مثاله في الشاهد: كفتا الميزان إذا نظرت إليها متساويتين، ثم أعدت النظر إليهما فرأيت إحداهما نازلة راجحة على الأخرى، فمن المعلوم أن العقل يحكم بالبديهة أنه لا بد من سبب اقتضى ذلك، فكذا نفسك وجميع ما ماثلك من العالَم حيث كانت عدمًا فترجّح وجودها على عدمها. قال الله جل ذكره: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [الذاريات: 21] أي: آيات أفلا تبصرون إليها فتستدلون بها على الصانع الحكيم !؟
[النظر في العالم]
(ثم) بعد نظرك في نفسك - وهي العالَم الأصغر - (انتقل) بفكرك للنظر في العالم الأكبر، وانظر (للعالَم) بفتح اللاّم (العُلوي) تجده من غريب صنع الله, دالاًّ على وجوب وجوده, وكمال قدرته, وباهر علمه وحكمته.
ومعنى العالَم:
-أمّا في اللغة، فهو عبارة عن كلّ موجود حادِث, فيه علامة يمتاز بها عن غيره من أنواع الموجودات، كقولنا مثلا: عالَم الطير، عالَم السحاب...
-وأمّا في الاصطلاح، فهو كل ما سِوى مولانا جلّ وعز.
تنبيه: سُمي العالَم عالَمًا لما يستفيد الناظر فيه - نظرا صحيحا - من العلم بالصانع، ولأنه علامةٌ دالة على وجود الصانع.
(1) الجرم: هو كل ما ملأ قدرًا من الفراغ.